السيرة الذاتية

12 مايو، 2016 7488 عدد الزوار

 الشيخ خليفة بن بطاح بن محمد الخِزِّي -رحمه الله-

(1370 – 1436هـ)

 

حياته الشخصية

نشأته وحياته التعليمية.

بيئته الثقافية.

حياته العملية.

من صفاته.

استشرافه للمستقبل.

تواضعه وزهده وورعه.

الصبر والابتلاء.

كرمه وتضحياته.

الشيخ الموسوعة.

وفاته ورثاؤه.


 نشأته وحياته التعليمية:

هو الشيخ خليفة بن بطاح بن محمد بن عبدالله (وعبدالله هو الملقب بخزّي جد عائلة آل خزي) بن بطاح بن محمد بن مسعود من آل مشرف من آل وهبة من بني تميم.

وُلِد في الشنانة عام 1370هـ، وذكرت عنه والدته أنه تكلم مبكراً في السنة الأولى من عمره خلافاً للمعتاد من الأطفال، وعاش في أسرة متواضعة تسكن في إحدى المزارع المجاورة لبلدة الشنانة من بلدات محافظة الرس في منطقة القصيم، ونشأ حياته الأولى فيها، فدرس الابتدائية في مدرسة الشنانة، وانتهى من المرحلة الابتدائية عام 1382هـ وهو من الأجيال الأولى الذين درسوا وتخرجوا من هذه المدرسة، ثم التحق في المعهد العلمي ببريدة، حيث لم يكن افتتح المعهد العلمي بالرس آنذاك، وكانت المعاهد العلمية بنظام المرحلة الواحدة خمس سنوات لمرحلة المتوسطة والثانوية، وأتم دراسة المرحلة الثانوية في المعهد عام 1388/1389هـ.

والتحق بكلية اللغة العربية عام 1389هـ، ونال منها الشهادة الجامعية (البكالوريوس) عام 1392/1393هـ، وهي الكُلية التي كانت تابعة للرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية آنذاك – التي هي مع كلية الشريعة تُعدُّ نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فيما بعد ذلك –.

وقد أسهمت دراسته المنهجية في المعهد العلمي ببريدة بتحديد شخصيته العلمية والفكرية وتوجيه بوْصلة حياته، فهي المرحلة الأولى التي شكَّلت حياته العلمية والدعوية، حيث درس العلوم الشرعية، وكان مُكثراً في القراءات الحرة من الكُتب والمجلات العلمية، كما كان للعلماء الشرعيين والدعوة دورٌ بارز في تكوين شخصيته ومساره الثقافي والفكري والدعوي، لاسيما أن من أساتذته ومشايخه في المعهد العلمي من كان بارزاً في الجوانب العلمية والدعوية، ومن هؤلاء حسب ما كتبه زميله ورفيق دربه في دراسته في المعهد والكلية الشيخ محمد الشيبان: «ومن المشايخ الذين تتلمذ عليهم الشيخ خليفة في معهد بريدة، واستفاد منهم في العلم والدعوة: الشيخ صالح بن ابراهيم البليهي -رحمه الله- الذي كان مدرساً في المعهد، وأحد علماء بريدة المشهورين، وكان إماماً وخطيباً في مسجده بحي الخبيب قريباً من المعهد، وبقرب البيت الذي كان خليفة يسكن فيه، وكانت للشيخ البليهي دروسٌ علمية في مسجده استفاد منها الشيخ خليفة بحضوره لكثيرٍ من هذه الدروس، ومن مشايخه في المعهد الشيخ علي الضالع -رحمه الله- مدرس العقيدة في المعهد، كما أن من مشايخه في المعهد الذين استفاد منهم في الدعوة والعلم الشيخ محمد سرور زين العابدين -حفظه الله- المدرس في المعهد، والذي كان له الأثر البارز للشيخ خليفة وبعض أقرانه في التوجه للدعوة الاسلامية، حيث لفت انتباه طلابه إلى الاهتمام بأمور الاسلام والمسلمين في أنحاء العالم الإسلامي، والتنبه المبكر إلى خطورة الأفكار الوافدة المنحرفة كالناصرية والشيوعية، كما لفت انتباه طلابه إلى التعرف على الكتب الاسلامية الحديثة، ومن مشايخه في المعهد الشيخ عبد الرحمن الجاسر، وكذلك الشيخ صالح الزايد، والشيخ صالح السُّكيْتي وغيرهم، وكان لهم أثرٌ في التوجيه والإرشاد للطلاب، إلى جانب الإفادة العلمية».

******

بيئته الثقافية: 

بدراسة للبيئة الثقافية والفكرية في القصيم آنذاك، خاصةً مع بدايات العقد الثامن الهجري من القرن الماضي (الرابع عشر الهجري)، وتحديداً في بريدة التي تعلَّم فيها، والرس التي وُلد فيها، فقد كانت الأفكار الوافدة ذات غلبةٍ وجلبةٍ خاصة اليسارية الشيوعية والقومية والناصرية –كما هو معلوم-، لكن في المقابل وُلِد ما سُمي بالصحوة الإسلامية أثناء ذلك، وقد يكون للأفكار المنحرفة الوافدة وما فيها من التطرف الفكري القومي والإلحادي دور في ميلاد الصحوة المباركة أو نجاحها وَزَخمها كما سيأتي في -المبحث الخامس-، لاسيما أن الأخيرة تخاطب الفطرة وتتسق مع البيئة السعودية المحافظة، حيث تتوافق مع هوية المجتمع السعودي، إضافةً إلى تشجيع الدولة ودعمها آنذاك للبرامج الدعوية لمواجهة الأفكار والتنظيمات السرِّية والعلنية الفكرية والسياسية المنحرفة، وذلك من خلال قبول بعض القيادات الدعوية من مصر والشام والعراق وغيرها من قيادات جماعة الإخوان وغيرهم من الجماعات الدعوية العالمية، ودعم نشر الكُتب الثقافية والفكرية المُوجِّهة للفكر الإسلامي، وقد كان لهذا الحضور الدعوي من الدعاة والكتاب الإسلامي وامتزاجه بالجو العلمي والشرعي السائد في مجتمع القصيم بشكلٍ خاص والسعودية بشكلٍ عام دور واضح في إذكاء روح الصحوة الإسلامية ونموها السريع، وفاعليتها المشهودة، إضافة إلى أثر العقيدة بمنهجها السلفي السائد.

ومن زملائه في مرحلة طلب العلم في المعهد العلمي وكذلك في الكلية فيما بعد ذلك الشيخ محيسن بن عبد الرحمن المحيسن –رحمه الله- والذي كان له أثر في حياته وتوجهه للدعوة، فهو زميله الذي يكبره سنَّاً، وهو من كان سبباً في ارتباطه أكثر بالدعوة، وكان المحيسن دمث الأخلاق محبوبًا من زملائه، وذلك كما هو معروف عنه، وكما ذكر ذلك عنه زميله الشيخ محمد الشيبان، ومن زملائه كذلك الشيخ أحمد المشعلي –رحمه الله-، والشيخ محمد بن صالح الفوزان، والدكتور حمد الحماد، والشيخ الدكتور سلمان العودة وإن كان متأخراً في مرحلته الدراسية عنه، وغيرهم.

ففي هذه البيئة العلمية والدعوية تكوَّنت شخصية الشيخ خليفة، ولذلك فحينما يُؤَرخ لرموز الصفوف الأولى من الصحوة فإنه يُعد من أبرزهم.

وكانت كلية اللغة العربية وكلية الشريعة بالرياض المتجاورتان في سورٍ واحد بمناهجهما وأنشطتهما تُعدان امتداداً لما سبق في البناء العلمي والدعوي لشخصية الشيخ، فالمعاهد العلمية والكليات كانت محاضن تربوية ودعوية لكثيرٍ من طلاب العلم ورجال الدعوة آنذاك.

وكان الشيخ خليفة أحد طلاب اللغة العربية -كما سبق- وكان متفوقاً أثناء دراسته بعلمية متميزة، ولا شك أن لدراسة اللغة العربية وتاريخها وآدابها النقدية دور في صقل شخصيته علمياً، لاسيما وأن من أساتذته في المرحلة الجامعية من كانوا من مشاهير الأساتذة في العلم والدعوة مثل: الأستاذ الدكتور عمر عودة الخطيب أستاذ الثقافة الإسلامية، والأستاذ زهير الخالد مدرس السيرة النبوية، والأستاذ الدكتور عبد القدوس أبو صالح أستاذ الأدب، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا أستاذ النقد الأدبي، والأستاذ محمود شاكر أستاذ التاريخ الإسلامي، وغيرهم ممن كان لهم دور مشهود في العلم والتوجيه الإسلامي.

وهو بهذه الدراسة السابقة واللاحقة قد ترعرع مع زملائه في المحاضن الدعوية والتربوية وبرامجها، حيث تزامنت هذه المراحل الدراسية له مع بداية الأنشطة الدعوية العامة، مثل مكتبات المساجد ومحاضراتها وندواتها، وحيث المخيمات التربوية للجامعة وجمعيات النشاط والثقافة والكشافة وغير ذلك، وما صحب ذلك من الرحلات الدعوية الشبابية، إضافةً إلى رحلات الحج والعمرة وما يُصاحبها من برامج توجيهية.

كتب الأستاذ علي بن صالح الزيدي عن مرحلة تكوين شخصيته الدعوية مع العلمية، ووصف ذلك بتكوِّن البعد الثقافي لدى الشيخ، وكان مما قال: «تكَوَّن لدى الشيخ في وقت متقدم من عمره جانب ثقافي متميز، فكونه يتمتع بالذكاء وقوة الذاكرة، والقدرة على النقد والتحليل مع كونه قارئاً نَهِماً من الطراز الأول، لاسيما في عمره المبكر بتركيزه على القراءة في مصادر ثقافية راسخة ذات عمق فكري، وقد يختلف الشيخ معها كثيراً من الناحية الفكرية، لكنه استفاد منها في نواحي متعددة، ومن ذلك متابعته لمجلة العربي الكويتية، فهي مجلة ثقافية لها منحىً فكري معين، لكنها تمنح قارئها ثقافةً واسعه واطلاعاً على نواحي متعددة من أحوال الشعوب وثقافاتها، كما أنها تدعم الجانب الأدبي للقارئ بشقيه الماضي والحاضر خاصة بما فيها من تنوع ثقافي، وكان مما يقرأُ في ذلك الزمن مجلة الحوادث اللبنانية، وهذه أفادته في تكوين البعد السياسي لديه، وأعني بذلك متابعته للأحداث السياسية عبر عقود من الزمن وفي عمر مبكر، واكتسب من تحليل ما يَرِدُ في تلك المجلات بأن أصبح هو ذاته مُحللاً دقيقاً، لاسيما مع الخلفية العلمية والفكرية العميقة، وكثيراً ما كان يستدل على الأحداث من خلال مقابلات أو مقالات أوردَتها المجلات السابقة في أعدادها.

وفي الوقت ذاته فمتابعته للأحداث السياسية متابعة يومية من خلال المذياع قديماً وخاصة إذاعة البي بي سي إضافة إلى المجلات والصحف المحلية والإقليمية، وانتهاءً بالإنترنت حديثاً، كل هذا أو بعضه مما جعل منه شخصية غير عادية»([2]).

******

حياته العملية:

بعد تخرج الشيخ من كلية اللغة العربية التحق وظيفياً بمهنة التعليم بمدارس الأبناء التابعة لوزارة الدفاع بالرياض بتاريخ 3/7/1393هـ، براتبٍ مقداره 1150 ريال، ومن خصائص هذه المدارس أن معظم طلابها كانوا من أبناء الأمراء والضباط والعسكريين، وكانت له جهود تعليمية وتربوية ودعوية مشهودة ومتميزة مع طلاب هذه المدرسة، ولا زال كثيرٌ من هؤلاء يُكنُّون له الاحترام والتقدير.

ثم انتقل من مدارس الأبناء إلى التعليم العام في منطقة الرياض التعليمية معلماً في ثانوية الفيصل وذلك بتاريخ 1/1/1396هـ، ومن ثَمَّ انتقل من الرياض إلى مدينة الرس معلماً ومديراً في ثانوية الرس من عام 1405هـ إلى عام 1415هـ، وكانت له أدوار مشهودة في تربية أجيالٍ متلاحقة من طلاب الثانويات في الرياض والرس عَرفوا فضله عليهم، وأفادوا من علمه وتربيته، ولم يزالوا على تواصل قوي معه حتى توفاه الله.

وحينما جاءت أحداث بريدة عام 1415هـ كان ممن تم ايقافهم فانقطع عن العملية التعليمية والتربوية قرابة عامٍ دراسيٍ -كما سيأتي في ابتلائه وصبره-.

وحيث لم يكن من شيء يُدين الشيخ في التحقيق فقد رجع الشيخ المربي بعد السجن إلى العملية التعليمية والتربوية في الرياض، حيث دَرَّس في ثانوية النظيم بالرياض، ثم عمل في أحد مراكز الإشراف التربوي بالرياض كذلك حتى تاريخ 10 / 11 /1420هـ وهو العام الذي عاد فيه إلى الرس مرةً أخرى ليستمر عطاؤه فيها بقية حياته، فعمل معلماً بثانوية تحفيظ القرآن، إلى أن قدَّم طلباً للتقاعد المبكر وذلك بتاريخ 1 /7 / 1424هـ، وبذلك يكون قد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في الحياة التعليمية والتربوية.

والشيخ بعد تقاعده من العملية التعليمية والإدارية، لم يكن متفرغاً من العمل كما هو حال بعض المتقاعدين، بل إنه تفرغ أكثر من ذي قبل إلى مشروعه العلمي الراصد للإعلام المحلي والإقليمي وما فيه من مقالاتٍ تتسِمُ بالانحرافات الفكرية خاصة في بلاد الحرمين، ليُضاعف جهده ووقته في هذا المشروع الذي رسمه لنفسه، واختطه لما بقى من حياته، إضافةً إلى أن التقاعد من العمل الوظيفي منحه مضاعفة جهده الدعوي في ميادين المحاضرات العامة والدروس في المساجد وبعض الملتقيات، كما أن الوقت بعد تقاعده مكّنه من فتح مكتبته لزوَّاره ومحبيه من تلاميذه وزملائه ورفقاء دربه.

ومن الأقوال التي تعكس شيئاً من حياته العملية ما كتبه عنه الدكتور محسن بن حسين العواجي وهو ابن عمته، حيث قال: «رحمك الله يا ابن الخال، عرفناك قريباً أستاذاً ومديراً وداعياً وسجيناً، جعل الله ما أصابك طهراً ورفعة، عزائي لأهله وأبنائه وآل بطاح».

وكتب عنه أبو عزام الأنصاري فقال: «تخصص في اللغة العربية، وشغل عدداً من الوظائف التعليمية قبل أن يتم اعتقاله بعد حرب الخليج الأولى، وكان من أبرز علماء العقيدة في الرس، بل قد قال لي بعض المشايخ بأنهم يعدونه أعلم أهل الرس في هذا الباب».

وكتب عنه الشيخ علي بن محمد الدهامي فقال: «الشيخ خليفة كان -رحمه الله- مربياً فاضلاً عمل في الإدارة والتدريس، وتخرَّج على يديه ثُلة من الأفاضل والأخيار، وكان يرى أن المحاضن التربوية في هذا العصر واجب وضرورة، والانشغال عنها من الخطأ، ويرى أن الخير الموجود في الأمة الآن من نتائجها».

وكذلك كتب عن دوره التربوي وأثره على تلاميذه والأجيال التي تربت على يديه الأستاذ علي الزيدي في مقال كتبه عن الشيخ، وكان مما قال عنه في هذا الجانب: «كان – رحمه الله – ممن عاصر الصحوة المباركة منذ نشأتها، فقد عمل بعد تخرجه من الكلية في مهنة التدريس في ثانويات الرياض، وحمل رسالة التعليم دعوةً وتربيةً للأجيال، فلم يكن التدريس بالنسبة له وظيفة فحسب، بل كانت رسالة بذل فيها كل ما يملكه من نفس ومال ووقت ليتربَّى طلابه على الصلاح والاستقامة في الدين والخلق القويم، فكان نتاج ذلك طاقات فاعلة أخذت دورها البنَّاء في المجتمع، وبعض طلابه لهم اجتماع سنوي في مدينة الرياض كانوا يدعونه للحضور معهم، ففيهم المدرس والمهندس والقاضي والطبيب والداعية وأستاذ الجامعة وغير ذلك ممن كانوا نتاج تلك التربية العميقة – عسى الله أن يكتب أجورهم في ميزان حسناته -»([3]).

وكتب عنه الشيخ الدكتور أحمد القاضي فقال: «أفنى عمره في التربية والدعوة والتعليم، وتربى على يديه أجيال في الرياض والقصيم، وكان من الطراز الأول من الدعاة والمربين، شديد الحَمِيَّة للدين، شديد الوطأة على الليبراليين المبتدعين، واسع الاطلاع والتتبع لمقالات المخالفين».

ولم يكن الشيخ تقليدياً في دوره التعليمي، فقد كان يجمع بين التربية الفكرية والعلمية والتعليمية لبناء جيلٍ واعٍ ومدرك لما يدور حوله من أحداث، وبالتالي مُحصَّن من الأفكار والتوجهات المنحرفة، كتب عن ذلك تلميذه في الثانوية العامة الدكتور محمد مصطفى السيد فقال عن الروح التجديدية وعدم التقليدية عند الشيخ:  «ترجع بي الذاكرة ثلاثة عقود خلت، حين كنت طالباً في المرحلة الثانوية، في ثانوية الرس العامة وفي الصف الأول ثانوي تحديداً عام ١٤٠٧هـ/١٩٨٨م.

كان الشيخ خليفة أحد معلمي مادة اللغة العربية، وكان يُدرسنا مادة الإنشاء والنحو، دخل الشيخ خليفة الفصل الدراسي في أول يوم دراسي غير مكترث بهندامه كعادة بعض الواثقين من شخصياتهم، وقد بدت هذه العادة ملازمة له -فيما يبدو- طيلة حياته، فلم يكن كباقي الأساتذة معنياً بترتيب هندامه وتحسين شكل شماغه أو (مرزامه).

منذ اللحظة الأولى شعرت أنني أمام شخص مختلف في التعاطي مع مادة الإنشاء، حيث تجاوز الموضوعات التقليدية التي صبغت تلك المرحلة – وربما لاتزال -، فلم يسأل: كيف قضيت إجازتك؟ أو سوى ذلك من الموضوعات التقليدية!

سمعت منه للمرة الأولى موضوعات جديدة مثل: الغزو الفكري، والشباب ودورهم في خدمة الأمة، والمرأة المعاصرة بين الجاهلية والإسلام، والجهاد في الإسلام وغيرها، وغيرها كثير.

لم يكن اختيار هذه الموضوعات تقليدياً، كما لم تكن طريقته في طرحها هي الأخرى تقليدية أيضاً، كان يتحدث عن الموضوع في أربع أو خمس حصص، ثم يطلب منا بعد ذلك أن نكتب فيه، وكطبيعة الطلاب كنا نفرح لمضي الوقت ونحن نستمع دون أن نكتب أو يكلفنا عناء الكتابة، كانت تحدث من الطلاب بعض المناقشات أو المشاغبات العلمية، لكن غزارة مادته العلمية تفقد الطالب القدرة على الاستمرار في المناقشة والمناوشة! فماذا يفعل طالب في الخامسة أو السادسة عشرة من عمره أمام شخص بثقافة أبي محمد واطلاعه الواسع والمتميز؟ لقد كان يبدو لنا في مرحلتنا العمرية تلك واسع الاطلاع والثقافة وهو كذلك، وكان يناقشنا فيما كتبناه في مادة الإنشاء أو التعبير.

وأذكر أنني بدأت بالرجوع إلى عدد من الكتب والمراجع المتخصصة لكتابة موضوع الإنشاء، وأذكر يومها أنني أعددتُ موضوع الإنشاء بما يُشابه البحث، حيث كان يتجاوز عشر صفحات، وفي ختامه أدرجتُ مجموعة من المصادر والمراجع، إضافة إلى ما كنتُ قد تلقيته من عرض الأستاذ من معلومات، ثم نقوم بإلقاء الموضوع أمام زملائنا من الطلاب، وكان لهذه الطريقة غير التقليدية دور في البناء الثقافي والعلمي للطلاب.

لست –هنا- بصدد مناقشة أو تقويم هذه الطريقة في تعليم مادة الإنشاء والموضوعات التي يطرحها الشيخ من حيث الصواب أو الخطأ، لكن ما يعلق في ذاكرتي –الآن- أنها فتحت آفاقنا نحن الطلاب على نوع مختلف من موضوعات الإنشاء! كانت أقرب إلى التربية منها إلى التعليم.

وفي آخر العام غادرنا الأستاذ خليفة ليتسنم مسؤولية أخرى هي إدارة الثانوية، فعاصرت إدارته للثانوية عامين متتالين حتى تخرجت منها، أذكر خلالها أنه كان يستقبلنا حين كنا نعود من رحلات العمرة المدرسية منتصف العام، فيُسلّم علينا واحداً واحداً، ويحتضننا كذلك، وقد صنع لنا طعام الغداء أو العشاء، ولكن للأمانة أقول: خسرناه معلماً ولم نكسبه مديراً».

******

من صفاته:    

عُرف الشيخ في أوساط محبيه بسمْته وجدِّيته وعدم فضوله في الكلام، فلا يسأل عن تفاصيل حياة الناس الأسرية والاجتماعية الخاصة مما لا يُفيد، وهذا من سمات الكبار واهتماماتهم العليا، وتتلازم هذه الصفة مع أصحاب الهمم العالية الذين تشغلهم القضايا الكبيرة للمجتمع والأمة.

كما تميز الشيخ بأنه شخصية هادئة تتسم بالحِلم والهدوء والأناة، وفي الوقت ذاته بالقوة والشجاعة في قول الحق، وقد يُوصف بالشدة -من بعض الناس- لاسيما مع أفكار المخالفين وجرأتهم على الدين والحق، فمع هذا الهدوء والحِلم ينقلب إلى أسدٍ هصور لنصرة الحق، مما يُعدُّ سمة بارزة في شخصيته ومجالسه مع الآخرين، فتراه ينفعل بأدب جم في الحوار والنقاش، في كشف زيف المنافقين والظالمين والكافرين ومن يُدافع عنهم.

وعن صفة الشجاعة في قول الحق وغيرها كتب الشيخ حمد الحريقي عن بعض صفاته وشخصيته كأنموذج في مجموعة تغريدات، فقال: «هو أحد الأعلام في محافظة الرس، وإذا ذُكرت الرس ذُكر الشيخ رحمه الله، وبالرغم من أن الشيخ مغمور إلى حدٍ معين إلا أن جيل الصحوة الأول عرفه واستفاد منه، تميَّز الشيخ خليفة بقوته في الحق والصدع بذلك، وكان لا يجامل في دين الله أحداً، كما تميَّز الشيخ بحبه للدعوة وتوعية الشباب وتوجيههم والحرص الكبير للجلوس معهم، يعرف عنه ذلك طلابه في الرياض والرس، وهذا نموذج لحرصه على الدعوة وهذا ما حدَّث به الشيخ محمد الخضيري وهو أحد طلابه في الرياض، وزرت الشيخ مراراً وزارني في بيتي في الرس، وكان جل حديثه عن الشباب، ودعوتهم، وضرورة تثقيفهم مما يحيط بهم، كان مثالاً للمربي الفاضل، والشيخ المتواضع، والأب القريب من طلابه ومحبيه، وهذا نموذج».

وهو شخصية تربوية قيادية فذَّة تمتلك كاريزما([4]) جذابة بموسوعيته العلمية وعمق تحليلاته السياسية، ونضج رؤاه المستقبلية لاسيما مع تواضعه العلمي والمعرفي، وإخلاصه ومصداقيته لرسالته التي اختطها لنفسه، والتي أكسبته محبة الناس له.

وعن شخصيته التربوية والدعوية واهتماماته بشؤون أمة الإسلام كتب عنه من الطائف تلميذه العقيد المتقاعد حسن بن علي العامري، قائلاً: «كان أستاذي الفاضل خليفة البطاح  -رحمه الله- الذي درست عنده في مرحلة الثانوية بمدارس الأبناء في الرياض ما بين 1393هـ إلى 1396هـ شخصيةً تربويةً ظلت مرتسمة في ذاكرتي، فلم يكن شخصية عادية يُؤدي ما عليه بموجب وظيفته فقط، فهو يحمل همًّا ورسالةً أعظم، تجاوزت هِمَّته وهَمُّه إلى من حوله من مجتمعه وأمته ولا أزكى على الله أحدا، فالإخلاص صَهَرَ شخصيته مع تربيةٍ تلقاها صَنَعَت منه رجلاً فذًّا، وكان كريم الأخلاق، حليماً لين الجانب، حريصاً على التحلي بالخلق الشرعي وحسبه ذلك شرفاً، وكان جاداً وحازماً.

لن توفيه كلماتي اليسيرة حقه، ولكن أدعوا الله أن يرفع منزلته عنده، ويجمعنا به مع الصديقين والأبرار والصالحين».

وكان شخصيةً منضبطة في التعاطي مع الوقت والعمل، كتب زميله الأستاذ على الزيدي عن بعض الجوانب الأخلاقية للشيخ حسب معاصرته له ومعايشته معه في التعليم، فقال عن صفة الانضباط لديه: «وكانت السمة الأخلاقية الثالثة فيه (الانضباط) ومن ذلك حرصه الشديد وانضباطه على انفاذ مواعيده مع الآخرين، وعدم التخلف عنها، بل والحضور المبكر في وقتها المحدد، ومن ذلك ملازمته واستمراره مع دورية قديمة له في الرس من زملائه المدرسين في الثانوية سابقاً، حيث استمر معهم حتى بعد مرضه وفاءً لهم وحباً للقياهم.

وله دوريات عائلية كان ملتزماً بها إلى أن أعياه المرض عن مواصلة ذلك، وكان خلالها يشارك الحضور بتوجيهاته النيِّرة ورؤيته الثاقبة حول الأحداث، فقد كانت لقاءاته – رحمه الله – ثرية بالمعلومات والتحليلات، وقلَّ أن تخرج من مجلسه بغير فائدة علمية أو معرفية.

ومن انضباطه مع نفسه برنامجه اليومي العجيب المليء بالمطالعات والمتابعات والقراءة والكتابة، وأنَّى لهذه أن تجتمع في شخص لو لم يكن هناك انضباط شديد مع النفس والوقت.

والشيخ له فلسفته الخاصة في التعاطي مع مغريات الطعام والوجبات، فقد كان حريصاً على الابتعاد عن ما يؤثر على صحته، فهو من المبتعدين عن أطعمة الأصباغ والمواد الحافظة وغير الصحية وما شابهها، ولم يكن يتناول شيئاً من الطعام إلا في مواعيده المحددة، فكان يرفض الأكل فيما بين الوجبات.

وأما المنبهات فله موقف قديم معها، فقد قاطعها منذ أكثر من عشرين عاماً، فمرَّة أصابه صداع شديد، وحين علم أن ذلك بسبب عدم شربه للشاي والقهوة لبضع ساعات قرر مع نفسه -رحمه الله- ألا يكون أسيراً أو رقيقاً لهذه المنبهات، فقاطعها مقاطعة تامة إلى أن توفاه الله»([5]).

ومن صفاته التي تميز بها أكثر من أقرانه الوعي المبكر بالمذاهب المعاصرة كالشيوعية الماركسية والقومية والناصرية والعلمانية والليبرالية ودعاتها وأنصارها، كما أكدَّ ذلك كثير من أقرانه وتلاميذه ومحبيه، وكانت له مناقشات ومناظرات مبكرة مع بعض الشباب من أقرانه ممن تأثر بهذه الأفكار خاصةً في منطقة القصيم وتحديداً من بريدة والرس.

وعن تواضعه وقوته في الحق كتب عنه الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز الغفيلي، ومما قال عنه: «من أبرز صفاته التواضع، وهضم الذات، وعدم التكلف، واحترام الجميع، والتعامل معهم بأدب وخلق، ويتميز الشيخ بالتمسك بالمنهج الصحيح والعض عليه بالنواجذ في زمن كثرت فيه الفتن والانتكاسات، وفي زمن تراخى فيه الكثيرون من أقرانه عن هذا المنهج، وترخصوا فيه كثيراً بدعوى تَغيُّر الأحوال، فكان الشيخ لهم بالمرصاد ناقداً بكشف تراخيهم، وكان في هذا لا تأخذه في الله لومة لائم».

ومن صفاته نصرته لإخوانه والاستجابة لطلبهم في المشاركة ببرامج الدعوة، كتب عنه علي الدهامي فقال: «حصل لي بعض المواقف في الجامع فكان لي نعم السند والمستشار والمدافع».

وقال عنه الدكتور محمد صالح الفوزان: «كان حريصاً على الدعوة واجتماع إخوانه في الله،  فقد لقيته بعد وفاة عبدالمحسن المحيسن فكان همه من يتولى جمع الإخوة والدعاة بعد عبدالمحسن كما كان يفعل».

ومن صفاته تواصله الاجتماعي مع الآخرين من زملائه وطلابه وغيرهم، قال عنه تلميذه علي بن صالح الفلاح: «كان كثير السؤال والاطمئنان عن حالنا وحال إخواننا وزملائنا حتى مرضه لم يشغله عن ذلك رحمه الله، فلما كان آخر سبت من شعبان قال: علَّكم تسمحون لي في رمضان، قلت له: لو ليلةً، قال: أيامه معدودة عسى الله أن يوفقني لاستغلالها».

كما تحدث عن سمة التواصل عنده المهندس إبراهيم الناصر فقال: «من سمات الشيخ أنه ما زال يحتفظ بعلاقات قوية مع طلابه في المرحلة الثانوية والذي يفصله عن تلك المرحلة عقود من السنين، ويتوج ذلك بلقاءات دورية بينهم، وارتباطهم فيه قوي لوجود كاريزما شخصية وفكرية للراحل».

وكتب عن بعض صفاته الأستاذ الدكتور محمد العلي فقال: «رحم الله الشيخ وضاعف حسناته؛ ورزق الله أهله الصبر والاحتساب، كان جارنا في الرياض؛ الباب مقابل الباب؛ وكان ذا علمٍ وأدب، محبوباً من جيرانه».

ومن صفاته النصح والصدق والغيرة، ويؤكد هذا الدكتور سلطان الجربوع حيث قال: «رحم الله شيخنا أبا محمد، فوالله ما علمنا عنه إلا خيراً، فقد كان ناصحاً صادقاً غيوراً، سيفاً صارماً في وجه كل مبتدع».

ومن صفاته المعروفة عنه عدله في الحُكم بالرغم من قوته على الأشخاص وأفكارهم دون شخصنة، بخلاف خصومه الفكريين، فقد كَتَبَ عن بعض هؤلاء وانحرافاتهم الفكرية العقدية الخطيرة على المجتمع والدولة، ووصفهم بالخصوم الجُدد لصفاء العقيدة ونقاء الشريعة، وحقاً أنهم المبتدعون الجُدد، وقد فرَّق في نقدهم، والحكم على أقوالهم بما يكشف عن عدله ومصداقيته وأمانته العلمية، ومما قال عنهم في مقدمة كتابه (الليبراليون الجدد): «يختلف هؤلاء في انحرافهم فليسوا سواء، والحق والعدل والإنصاف ألاَّ نتهم الجميع بتهمة البعض، وأن ننسب الأقوال إلى أصحابها، ولكن الجميع يُساهمون في الهدم والخلخلة لمفاهيم هذا الدين، فمنهم من يهدم أصلاً وركناً، ومنهم من يهدم جداراً، ومنهم من يثلم ثلمة، ومنهم من يسقط طوبة واحدة من بناء الإسلام، ولكن النتيجة النهائية أن الكل يُساهم في ذلك على اختلاف الأدوار والأهمية، وكذلك فالغالب أن يبدأ الانحراف لديهم في بعض الجزئيات، ثم يتطور الأمر ويصل إلى مرحلة الكُفر الصريح، والشك الخطير، والعلمانية الصريحة»([6]).

وكتب عن كثير من صفاته السابقة تلميذه أبو عزام الأنصاري فقال: «كان الشيخ رحمه الله داعية مربياً من الطراز الأول، إذا جلستَ إليه لا تملك إلا أن تصغي إليه وتتمنى ألا يتوقّف، تميَّز -رحمه الله- بخبرةٍ هائلة لا حصر لها في المذاهب المعاصرة والتيارات ورموزها، لم يكن همه إيصال العلم لطلابه فحسب.. بل كان أحرص من ذلك على التربية الإيمانية الواعية، وأما الأخلاق فقد كان قدوة فيها فلا تَسَلْ عن التواضع واللين والبشر والعفو والصبر الجمّ.. رحمه الله رحمة واسعة، تخرجت أجيال لا تحصى على يديه.. وزامله في مسيرته الآلاف فلم نسمع إلا الثناء عليه والمديح له، وإن نسيت فلا أنسى أنه كان من القلائل الذين يتابعون السؤال عني في سجني ويُرسلُ إليَّ السلام ويتتبعُ أخباري».

كما كتب الشيخ محمد نبيل التكريتي عن جوانب متعددة من صفات الشيخ خليفة، بل وعن مواقفه الفكرية المتميزة بالثبات والقوة، فقال: «عرفت الشيخ خليفة – رحمه الله – منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لم تكن اللقاءات كثيرة بيننا، إذ لم نكن في مدينة واحدة، لكنها بالرغم من تباعدها كانت غنية مثمرة، فقد كان يحمل همَّ الإسلام والأمة، وكان جاداً في طرحه، مباشراً صريحاً… وتعددت لقاءاتي معه قبل وفاته بشهر ونيف، وقد جمعنا الله بعد أن حالت بيننا الأيام التي اشتدت فيها الخطوب، وسالت فيها الدماء، وبرزت العداوات بأقنعتها، غير أن التصدي لكل أشكال الكيد السافر كان عند الطرف المقابل مُبعثر الجهد، مُشتت الوجهة، – ويا للأسف – لم تكن تغادر الخاطر كلمة الفاروق عمر t: (اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة) وكانت اللقاءات الأخيرة معه طويلةً غنية وفي العمق، وكان أبرز ما يُميز طرح الشيخ الصراحة، ونبذ العاطفة، والحرص على توجيه أي فكرة مطروحة، إلى الاتفاق القائم على الدليل، وليس على المجاملة والوفاق المتكلف، ولم يكن يتحرج من النقد لأي جهة مادام النقد له برهان، ولعل الفكرة التي لا يختلف عليها كل من عرفوا الشيخ، وقوفه عند النصوص، ومباعدة أسلوب تأويلها، أو لَيِّ أعناقها للعبث بدلالتها مُواطأة للهوى… نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدا… اللهم ارحمه رحمة واسعة واجعله في خيرٍ مما كان فيه».

ومن صفاته نفعه للناس والوفاء معهم ومحبة ذلك، وعن هذا كَتَبَ صالح بن منصور بن صالح الضلعان، ومما قال: «عاش أبو محمد رحمه الله وجزاه الله خيراً  بين الناس نافعاً لهم، وأحْسب أنه بذل كثيراً من وقته لنفع عامة الناس وخاصتهم من طلابه وزملائه مسترشداً بقول رسول الله r: (أحَبُّ العِبادِ إلى اللهِ تعالى أنْفعُهُمْ لِعيالِهِ) (الجامع الصغير:1/172)، وفي تعامله كان أرِيباً لا يخَدع ولا يُخدع، وفراسته في الرجال غالباً لا تكاد تخطي، وكان صاحب عقل رشيدٍ، ورأي سديدٍ، ونُصح مفيدٍ ووفاء، ومع الوفاء كان ذا خلق عظيم فعندما يرد على الجوال كان يبادر بالترحيب وذكر الكُنية التي تَسر السامع وتبعث على المحبة والمودة، ومع محبته لإخوانه وجيرانه كان يَقْرِنُ القول بالعمل، وكان يقوم بأداء حقوق المسلم ولم ينسَها أو يتشاغل عنها وهو يقرأ ما ورد بالصحيح: (إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ) (الجامع الصغير:1/1351)، وله مواقف من الوفاء لا تُحصى، ففي أثناء إعدادي لكتابي عن والدي فضيلة الشيخ (منصور الضلعان) أرشدني إلى ما يُفيد، وفي آخر عام 1334هـ زارني بعد عارض صحي مررت به ولله الحمد، مع أنه كان مريضاً، وكان يتردد على مستشفى الحرس الوطني بالرياض مرتين بالشهر، وفي شعبان وقبل وفاته بأكثر من شهر زرته بمدينة الرس، وكان صابراً وشاكراً لله تعالى، ولم أكُن أتوقع أن هذه الزيارة هي زيارة الوداع رحمه الله».

كتب أبو حكيم عبدالله بن عبدالرحمن الطاسان عن الشيخ خليفة مُذكراً بدوره الدعوي وإرادته القوية ومعلوماته الثرية، إضافةً إلى موقف مؤثر له دلالات ودروسِ وفوائد، والمقال بعنوان: (موقف قديم!)، وكان مما قال الطاسان: «كان لي موقف مع الشيخ رحمه الله عام 1415هـ، وذلك أننا كنا في المركز الصيفي بالخبراء في القصيم فطلب الشباب فيه دورة علمية عن (مذاهب فكرية معاصرة) فاتصلت على مكتب الدعوة برياض الخبراء، وعرضت عليهم الأمر فرشحوا لنا الشيخ خليفة ونسقوا معه، ووافق على أن تكون الدورة لمدة يومين من الساعة الثامنة إلى العاشرة صباحاً، ويكون مكانها جامع العجلان بالخبراء.

ولما كان اليوم المحدد كنت في المسجد في السابعة والنصف وجاء مُسجِّل مكتب الدعوة للتسجيل الصوتي للدورة، ولما كانت الساعة الثامنة إلا ربعاً حضر الشيخ وأدى تحية المسجد وأخذ مصحفاً يقرأ ينتظر المستفيدين، ولما صارت الثامنة ودقائق محدودة ولم يكن ثمة غيرنا، وقال الشيخ -رحمه الله- نستعين بالله ونبدأ محافظة على الوقت، وبدأ بنثر كنانته العلمية المليئة بكل خير، على مسامع العبد الفقير ومسجل الدورة فقط، وكنت أضمرت في نفسي أنه لن يحضر من الغد واستحييت أن أسأله، وتكلمت مع مسجل الدورة فقال: في الغد سنحضر ونجهز الصوتيات فإن جاء الشيخ وإلا لا عَتَبَ عليه، ولما صار الغد جاء الشيخ في الوقت المحدد لإكمال الدورة، واستمر الشيخ في محاضرته الممتعة حتى نهايتها ولم أشعر معه بمللٍ في طرحه العميق أو استصغاراً وتقليلاً منه لشأننا.

وأُسجل هنا ما استفدته من هذا الموقف الإيجابي برغم أن عدد الحضور اثنان في اليوم الأول، وثلاثة في اليوم الثاني، ومع ذلك ألقى دورته بكل همة ونشاط ولم يلمح مجرد تلميح إلى قلة الحضور، والمحاضرة مُسجلة بنسخة صوتية في مكتب الدعوة برياض الخبراء، وقد رأيت شريطيها في عام 1416هـ حين كنت أقوم ببحث للكلية عن مكاتب الدعوة ونشاطها»([7]).

******

 

استشرافه للمستقبل:

ومن صفاته أنه كان يتمتع بقدرة علمية متميزة في تكوين الرؤى المستقبلية للقضايا والأحداث، وكثيرة هي الأحداث التي مرت لتُصدِّق رؤيته المستقبلية، ومن أشهرها رؤاه المستقبلية عن خطر (الليبراليون الجدد) على وحدة الأمة العقدية والفكرية في المستقبل القريب والبعيد، من خلال رصده وتحذيره لما سيؤول إليه الحال، لاسيما في حالة عدم الإنكار عليهم، وعدم إيقافهم عند حدهم، وقد تأكدت صحة هذه الرؤى أكثر بعد الكتابات الكثيرة من بعض الغيورين على الدين والوطن مؤخراً، ممن كتبوا في الصحافة السعودية عن هؤلاء تحديداً، كما كَتَبَ آخرون في بعض الوسائل الإعلامية وأنكر هؤلاء واستنكروا حجم الانحراف، لاسيما حينما نما حال هؤلاء وازدادوا سوءً في طروحاتهم المنحرفة الجريئة، حيث نابذوا أصول الدين وثوابته بعد اعتراضهم وتشويههم لبعض مسائله الفقهية! وعن هذه الكتابات الغيورة يُمكن الرجوع إلى موضوع (اليقظة بين المتقدم والمتأخر) من موضوعات هذه الترجمة مما يكشف عن تحقق رؤيته المستقبلية.

ومما يمكن أن يُعد من رؤيته الاستشرافية للأحداث أنه في أزمة الخليج الأولى عام 1990م حينما دخل الرئيس العراقي للكويت، كان بعض رواد مجلسه يرون استبعاد وقوع الحرب الأمريكية على العراق، وكان الشيخ يؤكد وقوعها، ويقول: ما جاءت هذه الجيوش الكبيرة عبثاً والجيش العراقي مُستهدفٌ في التدمير، وفعلاً وقعت الحرب، بل كان يستشرف أن تقع بعدها تحولات كبرى في العالم العربي بحكم أن هذا الانتهاك الغربي المباشر لسيادة العالم العربي يُعدُّ من مقدمات تحطيم الجيوش العربية القوية في المنطقة، ولهذا ما بعده كما كان يقول ويُردد، وفعلاً حدثت بعد هذا الانتهاك لسيادة العراق أحداثٌ كبيرة، ومن أبرزها إضعاف حكومة العراق ودولته تمهيداً لإضعاف وانهاء قوة  الحزام السُّني شمالي الجزيرة العربية لصالح المد الإيراني في المنطقة فيما بعد ذلك، كما حدث بعد الاحتلال الأمريكي الثاني للعراق، ومن الأحداث الكبيرة تنشيط اتفاقيات السلام مع اسرائيل خاصةً اتفاقية المغرب، وغير ذلك من الأحداث المتوالية التي بمجملها مزيدٌ من الانتهاكِ الغربي والصهيوني لسيادة دول العالم العربي والإسلامي، وفي المبحث السادس (نماذج مختصرة من رؤاه عن بعض الجوانب السياسية) ما يُؤكد ذلك، خاصةً ما يتعلق بدراسته التي بعنوان: (قبل حرب أمريكا على العراق).

والحديث عن الرؤى المستقبلية للشيخ يطول، وليس هذا مقامه، ولكنها نماذج يسيرة مما سجلته الذاكرة عن هذه الصفة لديه.

******

تواضعه وزهده وورعه:

تميز الشيخ بالجدية مع تواضعه وزهده وعدم الاعتماد على أحدٍ حتى في أعمال الكتابة والسكرتارية لأبحاثه ودراساته، فقد كان يقوم بطباعة أبحاثه بنفسه دون مساعدة من أحد، وربما كان هذا من أسباب عدم إنجازه لمشروعاته العلمية طباعةً ونشراً، وعدم استثمار إرشيفه الضخم بتحويله إلى كتب ومقالات.

وقد عُرف عن الشيخ التواضع والزهد في الدنيا ومظاهرها المادية، فمثلاً مَرَّت عليه في حياته معظم الطفرات الاقتصادية، ولم يستهوه الشراء والبيع في العقار أو الاستثمار بالرغم من توفر بعض الفرص له أو كثيرٍ منها، فرسالته التربوية والدعوية التي اختطها لنفسه ومشروعه الذي أشغل به نفسه ووقته كافٍ عن رق المال وسطوته عليه.

وقد يكون هذا التواضع عائقاً عن بعض منجزاته العلمية، وهو مأخذ طالما ردده محبوه بكل صراحة ووضوح أمامه، وبدون وجوده أحياناً قائلين: أن مخرجات الشيخ العلمية والفكرية والثقافية لا تتناسب على الإطلاق مع حجم مدخلاته الكبيرة، ورصده الواسع للساحات الإعلامية والثقافية، وتفسير ذلك في -رأيي الشخصي- أن الشيخ بتواضعه الجم أضَّر –إلى حدٍ معين- بتراثه وجهده في الرصد والقراءة والنقد حينما لم يقبل عرضاً متكرراً من أحد زملائه لتوظيف من يُعينه في أعمال السكرتارية العلمية وطباعة ما لديه!! بل إن طموحاته في نشر أبحاثه ودراساته لم تتحقق نتيجة عدم طلبه الشراكة والتعاون -وهو حق- بشكلٍ قوي ومُلح من مؤسسات أو أفراد معنيين بنشر الإنتاج العلمي والمعرفي، فالتواضع والزهد بالرغم من جوانبه الإيجابية المشرقة إلا أن سلبيات ذلك تضر بأصحاب المشاريع العلمية الكبيرة مثل الشيخ خليفة.

وفي المقابل فعلينا أن لا ننسى أن كثيراً من العلماء قد لا ينتشر علمهم بصورة قوية أو يُطبع تراثهم كاملاً إلا بعد وفاتهم، ومن هؤلاء مؤخراً الشيخ عبدالرحمن الدوسري –رحمه الله- ومشروع تفسيره للقرآن الكريم على سبيل المثال، ولعل إخلاص العالم والداعية والمؤلف –أياً كان- لقضيته ومشروعه مع الله يُسخِّر له بِقَدْره من يخدمه بعد مماته –والله أعلم-.

كما أن هذا الحجم الكبير في أوراق كتابه الأول المطبوع ومحتوياته وموضوعاته مما يُعطي العذر أو الإعذار للشيخ بأنه أنجز المحور الأول العقدي بما يساوي أربعة كتب أو خمسة، فتكون للشيخ مخرجات وثمرات لجهوده ورصده تُعطي بعض التوازن عن ما سبق من حديث عن التباين بين مدخلات الشيخ العلمية ومخرجاته.

ومما كُتب عن الشيخ في هذا الشأن ما دوَّنه بعض محبيه عنه بعد وفاته، وقد يكون كافياً للمعرفة عن تواضعه وزهده وورعه.

فممن كتب عنه الشيخ صالح بن ساير المطيري في مقالٍ ملؤه الوفاء للشيخ بعد وفاته بعنوان: (جوانب من حياة فقيد الرس أبي محمد الشيخ خليفة الخزي -رحمه الله-)، ونشر في  موقع الرس إكس بي، فقال عن الشيخ في تواضعه وعدم اهتمامه بالأضواء: «الشيخ رحمه الله يتسم بالتواضع وعدم التكلف في شيء، وكان بعيداً عن الأضواء التي سحبت الكثيرين، فهو داعية بصمت، لم يهتم بالبروز الدعائي ولا الأضواء، ولو أراده لحصَّله، ورغم بعده عن الأضواء إلا أنه مستوعب لكل ما يطرح في الساحة، وكان متابعاً له ناقداً بصيراً، فالذي أعرفه أن الشيخ ما دخل عالم التواصل الاجتماعي من تويتر وفيس بوك وغيره مع إلمامه المنقطع النظير، فهو يترك ذلك حرصاً على وقته ويقول: لا أجد نفسي في ذلك ولست بحاجة إليه، ومن تواضعه كان يحرص على الاستفادة حتى من طلابه، يقول أحد طلابه: فاجأني الشيخ بمسودة كتابه (الليبراليون الجدد) وقال طالعه وأعطني رأيك، فقلت له: ماذا يعني رأيي؟ فقال: كلٌ يُستفاد منه، فلقد كان مؤثراً إيجابياً بلا ضجيج»([8]).

وكتب عنه زميله الأستاذ علي الزيدي فقال عن صفة التواضع عنده مما هو موطن اتفاق عليه من قبل محبيه ومعارفه على السواء: «فالتواضع صفة ملازمة له تبدو في تصرفاته وملبسه ومركبه، ومن تواضعه مساواته بين الصغير والكبير في التحية والاهتمام بشأن الشخص المقابل، إذ لم يكن لديه تمييز بين الأشخاص، ولذا كثر محِبُّوه ومحترموه.

ومن تواضعه عدم حُبِّه للظهور، وهذا ليس تكلُّفاً منه، بل هي سجيَّةٌ فيه متأصلة عنده، وقد حاول بعض تلاميذه في إحدى المناسبات أن يُظهر الاهتمام به وبمكانته فأبى ذلك بشدة، بل وغضب من ذلك، ومن جوانب التواضع في شخصيته أنه لم يكن يرى لنفسه على أحد حقاً من محبيه وزملائه وغيرهم.

ومن تواضعه أنه كان متسامحاً، عفوَّاً حتى مع من أساء إليه، فقد سمعته مرة وقد ذُكِرَ عنده أحد الأشخاص الذين آذوه، فقال بالحرف الواحد: أما فلان فلا أحمل في نفسي شيئاً عليه، مع أنه ناله منه أذىً كثيرٌ فعليٌ وقوليٌ، ومما يُعدُّ من تواضعه قبوله لأي دعوة توجه إليه، وخاصة إذا كان يرى فيها فائدة تعم الحاضرين من نقاشات وحوارات مفيدة»([9]).

ومن صفاته محبة الخير لكل الناس حتى لخصومه، فقد تكرر نقل كثيرٍ من أصحابه وتلاميذه عنه قوله: لا أجد في قلبي شيئًا على من يخالفني.

كتب عنه زميله في التعليم ورفيق دربه في الدعوة الأستاذ عبدالرحمن بن جمعة الرثيع في هذا الشأن فقال: «أرى أنه من القلائل الذين لو سَألتَ عنه في المحافل لما وجدتَ له صورةً ولا خبراً عنه، ذلك أنه من أعجب من رأيت في التواضع وإنكار الذات، وقد عملتُ معه معلماً حينما كان مديراً لثانوية الرس، فكان عجباً في حسن الخلق… وكان مما يمتاز به تجرده لدين الله، وسمعته يقول عن أحد الذين يسبونه: أنا لا أُبغض أحداً وإني أودُّ له الخير، ومع مصاحبتي له الكثيرة فلم أسمعه أبداً يُثني على نفسه مع أنه يمتاز بعمقٍ في العلوم المتعددة، لقد فقدنا أبا محمد رجلاً لم يُعهد عنه منافسة الناس في أمور الجاه والمال مع سعة علمه واطلاعه – رحمه الله -».

كتبت عنه من اكتفت بذكر اسمها الأول نورة، فقالت: «خليفة البطاح الخزي فقيد البلاد أسدها وأشدّها، وإذا فُتح باب من أبواب الباطل والعلمنة سدّها وردّها، رحم الله أبا محمد فقد كان زاهداً قوياً في دين الله».

ومما يدل على تواضعه وزهده وورعه محبة الناس له حياً وميتاً، ومن ذلك ما ذكره عنه الشيخ عبدالله الغفيلي في ورقته المكتوبة عنه، وفيها: «واستمر الشيخ على المنهج الصحيح حتى توفاه الله -رحمه الله-، وكان هذا التمسك محل تقدير محبيه وتلاميذه، ولذلك بعد وفاته استأذنت أولاده بالعمل على ايجاد وقف خيري للشيخ، فوافقوا، وأيدوا، وباركوا المشروع، والعجيب في ذلك أن مبلغ الوقف (مسجد) تم تأمينه خلال عشرين ساعة فقط.

فقد كان الإقبال للمساهمة في وقف الشيخ منقطع النظير، بل تنوَّع الوقف لكثرة الراغبين في المساهمة فيه، فأصبح جامعاً وبئراً ومصاحفَ، بل تم توسيع وتكبير الجامع حتى يستوعب المساهمات من محبيه، ولعلها -إن شاء الله- دلالة محبة الله له ورضاه عنه، حيث محبة الناس  العظيمة خاصة في نفوس أحبابه من إخوانه وتلاميذه، بل إن مساهمات هذه الوقفيات كانت من أُناس لا أعرفهم من تلاميذه وغيرهم، والأعجب في هذا أنه بَلَغني بأن مجموعة أخرى من تلاميذه الكُثر جمعوا مساهمات لبناء جامع آخر للشيخ، وكِلا الطرفين لا يعلم بعضهم عن بعض، وهذا يدل على المحبة الكبرى التي يتمتع بها الشيخ، وأيضاً تعكس كثرة تلاميذه الذين استفادوا منه خلال ما يزيد عن عقودِ ثلاثة من التعليم والتربية والتوجيه والدعوة، بل وعند زيارتي لأولاده للتعزية بعد أيام من وفاته قالوا: اكتشفنا أن والدنا بعد وفاته ليس والداً لنا لوحدنا، بل إنه والدٌ لكثيرٍ من الناس من الناحية العلمية والدعوية، ولم نعلم بهذا إلا بعد وفاتهرحمه الله-».

وكتب عن تواضعه حمد الحريقي فقال: «كان الشيخ -رحمه الله- لا يحب الأضواء ويفر منها فراره من الأسد، لذا فالكثير لم يعرفه إلا بوفاته».

كما قال عن صفة التواضع تلميذه علي الفلاح: «كان شديد التواضع، زاهدًا بالدنيا، لا تهمه ملذاتها، حريصًا على وقته والاستفادة منه، مجلسه علمٌ ونقاشٌ وإثراء معرفي».

وأكد على سِمَةِ التواضع عنده الشيخ علي الدهامي فقال: «كان الشيخ مثالاً للمثقف الذي يحترق من أجل دينه وأمته، ومثالا للمثقف المتواضع الزاهد في الأضواء والشهرة».

بل إن تواضعه وعدم حبه للشهرة مما أجمع عليه مُحبوه من زملائه وتلاميذه، وهذه من العوامل التي أسهمت بأن يكون شخصاً مغموراً في ظل الظهور الإعلامي لكثيرٍ من الدعاة وطلاب العلم، سيّما من أقرانه سواء في العمر أو العلم! وعن هذا قال تلميذه أبو عزام الأنصاري: «تويتر لا يكفي لذكر طرف من سيرة شيخنا.. لكنها صورة تعطي إشارة عن رجلٍ لم يأخذ حقه!!».

وكان لهذا التواضع والزهد والورع أثر واضح في ضعف ظهوره إعلامياً، ونقص بروزه العلمي والدعوي، فهو لا يحب الظهور الإعلامي ولا يرغبه، بل لم يكن له ظهور إعلامي مرئي سوى مقابلته الوحيدة في برنامج (ساعة حوار) في قناة المجد بعنوان: (التحولات الفكرية في الأوساط الدعوية)([10])، كما كان التزامه بالتعهدات الرسمية التي أُخذت عليه بتوقفه عن المحاضرات العامة من أسباب عدم ظهوره وشهرته، ويُضاف إلى ذلك انشغاله الكبير في السنوات الأخيرة من عمره بمشروع متابعة ورصد الفكر الليبرالي الإسلامي المنحرف، وكذلك فسكناه في الرس كمحافظة إدارية محدودة أسهم في ضعف بروزه، وهي عوامل أسهمت بشكلٍ عام في ضعف شهرته وبروزه كرمز من رموز العلم والدعوة.

******

الصبر والابتلاء:

الابتلاء سنة تتلازم مع الحياة الدنيا، وتتأكد بحق المؤمنين أكثر –كما ورد في القرآن والسنة- وقد أُبتلي الشيخ ببعض صور الابتلاء، ومن أبرز ذلك أنه أخذ على نفسه وعاتقه (متابعة الأفكار الوافدة المنحرفة) على هذا الوطن المبارك، وبقدر التزامه الاختياري التطوعي بهذا المشروع، فهو من وجهٍ آخر ابتلاء من الله له بالعمل بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنفع مجتمعه وأمته، حيث من لوازم هذا المشروع الصبر والمصابرة، والجهد والمثابرة، وما يترتب على هذا من الهمِّ والغم والحزن والألم، فالشيخ بهذا المشروع استشعر مسؤوليته الدينية والمجتمعية ولوازم هذه المسؤولية من المتابعة اليومية للإعلام المطبوع على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، لاسيما أنه خصص لهذه المتابعة اليومية من وقته معدل ثلاث ساعات صباحية في الغالب من البحث والتقصي في الصحافة الورقية ثم الإلكترونية فيما بعد ذلك، إضافةً إلى المواقع والمنتديات الإلكترونية.

ومن أبرز ما ابتلي به كذلك (سجنه) على خلفية أحداث بريدة عام 1415هـ، فقد ألقى كلمةً في مسجد الشيخ سلمان بن فهد العودة عن أهمية الإصلاح، وعلى إثرها اعتقل مع الشيخ سلمان، وقد لبث في السجن ثمانية أشهر، ولم يثبت عليه في التحقيق ما يُدينه، حيث كان رجوعه لوظيفته التعليمية والإدارية في إدارة التعليم بالرياض ثم بالقصيم، وتلازم مع هذا بعض الابتلاء في عمله بين الإداري والتعليمي.

ومن صور البلاء والابتلاء أن يُحال بين المرء ورسالته التي هي مصدر سعادته فقد أُخذ على الشيخ (تعهدٌ رسمي) بعد خروجه من السجن، وذلك حين قيامه ببعض الأنشطة من محاضرات وندوات على إثرها كُتبت عنه بعض الوشايات من بعض المُغرضين أو الحاسدين ممن يجهلون أو يتجاهلون من يخدم الدين والدعوة، وعن من هو حريصٌ على رسالة الدولة والوطن الدينية، وهؤلاء بهذه الوشايات وضعوا أنفسهم خصوماً لدينهم ووطنهم، ويُعدُّ التزامه بالتعهد والتوقف عن المحاضرات منقبةً له، بالرغم من أن هذا مما يُعد من الأمور الصعبة والعسيرة على النفس لاسيما لأصحاب الرسالة والدعوة، فليس هناك أصعب من أن يُحال بين المرء ورسالته في الحياة، وتُعد استجابته منقبة، والتزامه بالتعهد كذلك كافياً للرد على مزاعم ودعاوى خصومه ومناوئيه وكتاباتهم ووشاياتهم به.

كتب عن هذا الابتلاء أبو عزام الأنصاري فقال: «مُنع بعد خروجه من السجن من التدريس فترة، وحُوصر وضُيِّق عليه عدة سنوات، فكان صابراً محتسباً ثابتاً».

وكان من صور البلاء الذي أصابه في آخر عمره أنه أُصيب بمرض السرطان، وقد كان يتعالج منه حوالي ثلاث سنوات حتى توفاه الله، وكان صابراً محتسباً، بل إنه لم يتوقف عن رسالته الدعوية ومشروعه العلمي في مواجهة الفكر الليبرالي المنحرف.

وكتب عن ذلك الدكتور محمد الفوزان، قائلاً: «وكان مثالاً للمؤمن بالقضاء الصابر على القدر مع المرض، بل إنه في سيرة حياته كان طبيعياً مع ما يُعانيه من آلام المرض، حتى إذا لقيته قلت الرجل ليس لديه أي مشكلة».

وممن كَتَبَ عن صبره وَجَلدِه الأستاذ علي الزيدي في ما كتبه عنه في البعد الأخلاقي في مقاله سابق الذكر: «وعن السمة الأخلاقية الثانية فهي (الصبر) فقد مرَّت عليه -رحمه الله- مِحَن عدة خرج منها ثابتاً راسخاً على منهجه مستمسكاً بالحق، لم تؤثِّر الابتلاءات في قوة مسيرته، ولعلَّ من أبرزها صبره المتميز في مرضه الذي مات على إثره، فبالرغم من علمه أن المرض خطير إلا أنه كان صابراً متجلداً محتسباً، بنفسية رائعة، وكأنه لم يُصَب بشيء، كما لم يكن يشتكي لأحد، فإن سألته عن حاله وصحته سبق جوابه الحمد لله والشكر له، بل إنه حينما يعطيك تفاصيل علاجه ومراجعاته فكأنه يحكي لك قصةً أو حدثاً عادياً ليس بحديث المصاب بمرضٍ خطير.

واستمر الشيخ يستقبل زوَّاره ومحبيه في مجلسه المفتوح المعتاد في كل أسبوع وفي العطل والمناسبات على مدى أكثر من عامين، وحتى قبيل رمضان 1436هـ الذي توفي فيه كان يستقبل تلاميذه ومحبيه بالرغم من أن المرض قد اشتد عليه كثيراً، لكنه كان يتحامل على نفسه ليحقق لمحبيه مبتغاهم في الجلوس معه، والاستئناس به، ولاسيما أنهم يحبون رؤيته للاطمئنان على صحته، ولينهلوا من علمه ورؤيته الثاقبة حول الأحداث ومجرياتها، واستأذنه البعض ليخصص لهم وقتاً لزيارته في رمضان لكنه اعتذر مشيراً بيده حيث كان الكلام صعباً عليه -رحمه الله- وكأنه يشعر بدنو الأجل، -وسبحان الله- فماهي إلا أيام قليلة بعد ذلك اللقاء ليدخل في الإغماء الذي توفي فيه»([11]).

وممن كتب أيضاً عن صبره وجلده صالح الساير، حيث قال: «الشيخ -رحمه الله- أعطاه الله صبراً وجلداً قَلَّما تجده عند الكثيرين فقد مر بفتن ومصائب شتى كان آخرها مرض السرطان الذي مات به، فكان يعاني ولكنك تجده صابراً كأنه لا يحس بشيء، وفي الزيارتين الأخيرتين مني شخصياً له قبل رمضان كان المرض والألم ظاهراً عليه، ونبرات صوته ضعيفة، ومع ذلك يحمد الله ويشكره، ويطرح ويناقش ويحاور وينقد ويُبين»([12]).

وعن بلائه في المرض وصبره على قضاء الله وقدره فيما ابتلاه الله به من صور الابتلاء، كتب عنه كثيرون، وممن كتب عن هذا الصبر الشيخ حمد الحريقي فقال: «زرته -رحمه الله- قبل فترة، ووجدته صابراً رغم ما يعانيه من مرض هدَّ جسمه، ومع ذلك يحدثك بكل انبساط وسرور ورضى بالمقدور، ابتُلي الشيخ خليفة رحمه الله بصنوف البلايا ومع ذلك صبر وصابر ولم يتشكَّ من ذلك، سُجن الشيخ خليفة ونُقِل من مدرسته وتُكلِّم فيه، وحَسَده البعض، ومع ذلك كان مثالاً للثبات على الحق والمنهج المستقيم».

وكتب عنه  تلميذه علي الفلاح فقال: «سُجِن ولحقه الأذى فصبر واحتسب، فلما خرج من السجن قال لي: والله لم يمر بي يوم في السجن ضائقًا، استغليت أيامه بكثرة قراءة القرآن، واستمر مرضه أكثر من سنتين وكنت ملازمًا له، فوالله لم أسمع منه إلا الشكر والاحتساب والصبر».

وكتب عنه عادل العنيزان فقال: «ترجل الشيخ المبتلى الصادق الصابر، ابتلاه الله في حياته بأمور كثيرة، فثبت ولم يبال إلا بالله، رب تجاوز عنه وارفع منزلته».

وكتب عنه فهد الغفيلي فقال: «رأيت الشيخ خليفة في معرض الكتاب ولم أعرفه إلا من وقوف ابنه بجانبه! فقد أنهك العلاج جسده، لكن لم ينهك فكره المعرفي، وقلبه الإيماني».

******

كرمه وتضحياته:

الحديث عن الكرم ومفاهيمه الصحيحة والمغلوطة في غاية الأهمية، لاسيما في عصر الوفرة والرفاهية لشعوب إسلاميةٍ معينة، وعصر الحاجة والفاقة لشعوب أخرى، فكثير من الناس يعتقد أن الكرم قاصر على تقديم الطعام وذبح الذبائح، وهو بلا شك نوع من الكرم، بل هو الكرم ذاته في زمان أو مكان الحاجة والفاقة والفقر، ومن صور الكرم كرم العطاء والتبرع للجمعيات الخيرية وإعانة الفقراء والمحتاجين والمعسرين وذوي المسغبة من السائلين والمحرومين.

لقد أصبح الضيوف في زمن الوفرة المادية والاقتصادية يَمُنُّون على مُضيِّفهم بحضورهم وليمته أو مناسبته، أو يعتذرون عن الحضور بأنواع الاعتذارات، وفي ولائم الكرم هذه تتزايد أحجام فضلات الطعام، ويصحب ذلك إسراف وهدر يُغضب الله، ويحرم المحتاجين!!

وفي ظل هذا الواقع أصبح كثيرٌ من الناس يؤمنون بأن إكرام العقول والقلوب المحتاجة أو المنكسرة من الكروب خير من إكرام البطون غير المحتاجة.

ولذلك فإن كرم النفس، وكرم الأخلاق بكل أنواعها، وكرم العاطفة، وكرم الابتسامة والمحبة، وكرم الكلمة الطيبة، وكرم النصيحة الصادقة، وكرم الاهتمام بالآخر، وكرم الوقت ومنحه للآخرين تُعدُّ من مكارم الأخلاق، وكان الشيخ مُتصفاً بكثيرٍ من هذه الأنواع من الكرم.

كان الشيخ كريماً في كثيرٍ مما سبق، فهو كريم حينما يُضيِّف مسافراً أو محتاجاً أو ضيفاً أو صديقاً، بل هذا من سماته رحمه الله، وهو أكرم حينما يمنح وقته للآخرين للاستفادة من علمه ورؤاه وبحوثه الراصدة المضنية، فحينما يستشيره المعلم والداعية والشاب والصغير والكبير ويجلس مع هؤلاء الساعات الطِّوال ليدخل السعادة والسرور إلى قلوبهم بمشورة نافعة أو علم ينتفع به فإن هذه الصور من الكرم لا تقل عن كرم الطعام والشراب، إن لم تكن أحياناً أكثر أهمية وكرماً، وهو حينما يُعطى أو يُعير من مكتبته -وهي أغلى ما يملك- كتاباً أو بحثاً أو مجلةً، وأحياناً سيارته الخاصة، فإنه بهذا يضرب أعلى أنواع الكرم بسبب الحاجة الماسة إلى ذلك عند كثير من الناس، وقد عبَّر عن كرمه كثيرٌ ممن كتب عنه أو رثاه، وممن كتب عن بعض جوانب كرمه حسين بن ناصر العواجي، وفيه قال: «تتلمذت على يد زوج خالتي الشيخ -رحمه الله- وكنت أستعير منه الكتب وأنا بالمرحلة المتوسطة، وكان يفرح بذلك جداً، وكان بيت الشيخ مأوى للزوار يفرح بمجيئهم، وكان لديه ديوانية في كل سبت، وهي عاصفة بالنقاشات والحوارات الفكرية الثرية».

ومن كرمه بوقته ونفسه ما كتبه صالح الرثيع: «كنا نستمتع بحديثه حتى وقت متأخر من الليل فنعتذر أسهرناك يا شيخ، فيرد مبتسماً أنتم تفضلتم عليَّ، وهذا من تواضعه رحمه الله».

وكتب عن كرمه بوقته ونفسه، بل وبصحته أحياناً عبدالله الغفيلي، فقال عنه: «ومما أذكره شهادةً للتاريخ عن الشيخ: وهو أنني لم أدْعُه يوماً من الأيام للقاء دعوي للدعاة أو الداعيات لدينا بالرياض ويعتذر، حتى أيام مرضه يتجشم بُعد المسافة من بلده محافظة الرس إلى الرياض، لكي يلتقي بإخوانه وأخواته من الدعاة والداعيات ويُفيدهم ويُوضح لهم، كما كان حريصاً على زيارة المرضى من المشايخ والدعاة من إخوانه، ويُلح في الذهاب إليهم حتى ممن هم خارج الرياض، كالخرج وغيرها».

وكتب عنه علي الدهامي وعن كرمه بوقته فقال: «ولا أذكر أني نقلت له دعوة من أحد لملتقى أو اجتماع فاعتذر، بل حتى بعد مرضه كان يجيب الدعوة، ويتكلم ويناقش وكأنما ليس به بأس».

وكتب عنه علي الفلاح بما يجمع صفة الكرم والتضحية فقال: «كان يردد دائمًا: دين الله ندافع عنه، ونتحمل الأذى في سبيله، ونموت من أجله. ولا يهمنا ما يُقال عنا في سبيل نصرته، وكان له في ضُحى كل خميس، ثم في كل سبت موعدٌ للالتقاء بمحبيه وقاصديه من الشباب والمشايخ في مكتبته، يتمحور النقاش في اللقاء غالباً حول ما استجد من أحوال المسلمين من أحداث وغيرها، ولما اشتد عليه المرض من منتصف شهر رجب كان يتعب بالجلوس، ومع ذلك أبى إلا أن يستقبل محبيه كعادته ضحى كل سبت».

وكتب عن خدمته للدعوة وتضحياته الدكتور محمد بن عبدالعزيز الخضيري فقال: «لمَّا علم الشيخ خليفة أني لا أملك سيارة لتوصيل طلاب الحلقة عام 1402هـ، أعطاني سيارته البيجو فبقيت معي زماناً تحت تصرفي، كانت الدعوة تجري في عروقه».

ومن تضحياته كرمه في وقته واستضافة الناس واستفادتهم من علمه ومن الاجتماع عنده، وفي ذلك كتب عنه صالح الساير فقال: «بيته منتدى للنخب الفكرية والدعوية، يؤمه من يعرفه ليستفيد منه، فكان يفتح بابه ضحى الخميس سابقاً، ثم بدَّله بضحى السبت بعد تغير الإجازة الأسبوعية، يستقبل زواره ومحبيه، في هذا المجلس فكثيراً ما يُوجَّه له السؤال من الحاضرين عن مستجدات العالم الإسلامي وتحليله لما يجري، وكانت الإجازات منتديات في بيته يحضر فيها نخب فكرية من الزملاء والأصدقاء والمحبين والطلبة، يُتداول فيها المستجدات وأمور العالم الإسلامي، ويطرح الشيخ رؤيته ويعلق ويجيب ويناقش ويدعم رأيه بما يُتابِع ويرصد، ولم يتوقف رغم مرضه وعجزه، فما توقف إلا في بداية شهر رمضان عند اشتداد المرض به وعجزه نهائياً»([13]).

******

الشيخ الموسوعة:

تزداد أهمية الموسوعات العلمية حينما تكون روحاً نابضةً بالحق، وتتأكد الأهمية حينما تكون الموسوعة عالماً أو داعيةً أو مفكراً ومصلحاً، لأن هذا النوع من الموسوعات لا تموت بموت أصحابها باختلافٍ فيما بينهم في الدرجات، فالعلم يُحيي ذكر صاحبه بعد موته أكثر منه في حياته – ولو بعد حين – فآثار العلماء وعلومهم ومؤلفاتهم وأقوالهم النابضة بالحياة هي الحياة بعد مماتهم، كما هو حال كثيرٍ من العلماء، بل إن بعض مخطوطات العلماء بقيت مئات السنين، ثم قيض الله لها من يخدمها بالطبع والنشر والانتشار والانتصار بما لم يسبق له مثيل.

وكأنموذج لحفظ الله لعلم العلماء وتراثهم ما حدث لمؤلفات ابن تيمية –رحمه الله- ففي رواية ابن مري عن تراث شيخه ابن تيمية شاهدٌ واضحٌ وصريح بذلك، رغم أنف كلَّ مناوئ وخصم وعدو من السابقين واللاحقين، وفي الرواية ما يعكس حقيقة الانتصار للفكر ولجهاد القلم، وفيها ما يكشف عن حفظ الله لتراث الصادقين والمخلصين، وقد حورب ابن تيمية وصودرت كُتبه وأحرق الكثير منها، لكن ما بين العبد وربه من إخلاص وتقوى ينعكس إيجاباً على حفظ الله ورعايته للعبد ولعمله الصالح، ومنه علمه الذي يُنتفع به بعد مماته، وفي هذا يقول شهاب الدين أحمد بن مُرِّي الحنبلي لأحد إخوانه في الله من طلاب العلم وكلاهما من تلاميذ ابن تيمية موصياً له بأن يُحافظ على تراث شيخهم: «ووالله، إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام -يقصد كلام ابن تيمية- ونشره وتدوينه وتفهمه واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم، وهذه سنة الله الجارية في عباده وبلاده والذي وقع من هذه الأمور لا يُحصي عدده غير الله تعالى»([14]).

وتتأكد حياة الأعمال بقول الرسول r: (إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ)([15])، وفيها ذَكرَ علماً يُنتفع به بعد مماته، ولعل الشيخ خليفة من هؤلاء اللذين تركوا إرثاً معرفياً وعلماً يُنتفع به، لاسيما وأنه ممن رسم منهجيةً علمية معنية برصد مُبتدعة العصر وكشفهم في عصره، وله باع واسع وَنَفسٌ طويل في ذلك.

لقد رحل الشيخ –رحمه الله– عن هذه الحياة الدنيا في الرابع والعشرين من رمضان لعام 1436هـ، وخَلَّفَ إرثاً تربوياً وعلمياً ومعرفياً ينتقل بهذا الإرث عمله الصالح لأجيالٍ عديدة وأزمنةٍ مديدة – بإذن الله -، ولعل الله أن يضاعف أجره بذلك، ومن هذا الإرث الفريد مجموعةٌ كبيرةٌ من التلاميذ في الرياض والقصيم بشكلٍ خاص، ولاسيما أن ما جمعه وكتبه يُعد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الاحتساب على من يريدون أن يُبدلوا في دين الله من مبتدعة ومنافقي العصر الحاضر.

وكذلك من هذا الإرث عددٌ من المحاضرات والدروس الأسبوعية أو الشهرية المكتوبة، وأرشيفٌ ورقيٌ بحجم كبير من المجلات والكُتب والمقالات، وآخر إلكترونيٌ ضخم، وفي كليْهما رصد إعلامي دقيق عن مُبتدعة عصره من أدعياء الليبرالية الجُدد، وهو مما تنوء بحمله العصبة من الرجال، حيث كان رصده اليومي لهذا الفكر الدخيل على مدى ما يزيد عن ثلاثين عاماً من عمره، وحقاً أن الشيخ خليفة صاحب مشروع كبير، مما يحتاج أن يكون إرثه العلمي والمعرفي مشروعاً علمياً لأصحاب الاختصاص –كما سوف يرد تفصيله في المبحث السابع من هذه الترجمة-.

وحُقَّ لمن يعرفه أن يصفه بالموسوعة العلمية والمعرفية بحكم قراءاته المُبكرة والمتنوعة في معظم صُنوف العلومِ والمعارف إن لم يكن كلها، ونبوغه في القراءة السريعة لأي كتاب يُعرض عليه، وفوق ذلك فهو ممن أصبح بهذه القراءات مدرسةً فكريةً في النقد الهادف للكُتب والكتابات والكُتَّاب والأفكار والجماعات والأحزاب والدول والحكومات.

ولا زلت أذكر زيارتنا أنا والشيخ خليفة في زمن مرضه الذي تُوفي فيه للدكتور محمد الهوشان بالرياض، وهو المحامي المشهور وهو من أوائل من حصلوا على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي، إن لم يكن الأول، وكان الشيخ خليفة حريصاً على بعض المعلومات التاريخية من الهوشان نظراً لكون الأخير عاصر كثيراً من الحركات القومية واليسارية والناصرية التي كان لها بعض الأدوار السياسية خاصةً الاحتجاجية على ضِعف سعر النفط وحقوق العمال في المنطقة الشرقية، لاسيما حينما كان الهوشان يعمل في شركة أرامكو في أوائل تأسيسها، لكن الهوشان بادر بإعطاء خليفة ورقةً مكتوبة من حوالي تسع صفحات ومن إعداد الهوشان نفسه، وقبل أن ينشرها أراد رأي الشيخ فيها، وكان المقال بعنوان: (نخاولة المدينة المنوّرة .. الافتراء على التاريخ)([16])، وقد تضمن رداً علمياً على كتابٍ أصدره أحد نخاولة المدينة المنورة، وطُبع خارج الوطن، وأشاد به أحد الكُتاب السعوديين في إحدى الصحف المحلية، والكتاب ومقال الإشادة فيه بمجمله ينفي أحقيَّة أهل السنة في المدينة المنورة تاريخياً، وأن الشيعة الرافضة الاثني عشرية (النخاولة) لهم الحق التاريخي في المدينة المنورة، والاستدلال هنا ليس على هذا الخطأ التاريخي المتعمد بحق الوطن كما رآه خليفة والهوشان وبأنه خيانة للدين والوطن وبيعٌ لجزءٍ من الوطن للعدو الإيراني على طبقٍ مجاني، بقدر ما كان عن موسوعية خليفة وقراءته السريعة للمقال، حيث لم تستغرق قراءته حوالي أربع دقائق وإعجابه بالنتائج العلمية التي كتبها الهوشان وضمنها مقاله سابق الذكر، والجدير ذكره في هذا المقام أن الهوشان ممن وُلد في المدينة وعاش فيها ساكناً وزائراً لها فيما بعد ذلك، مما جعله يكتب هذا المقال برؤية الشاهد المعاصر لبداية وجود طائفة نخاولة المدينة.

وعن موسوعيته أيضاً وصفه تلميذه الأستاذ علي الفلاح بقوله: «كان موسوعةً تاريخيةً ناقدة، مُلماً بالأحداث، ذا ملكة حفظ مذهلة بالوقائع وتواريخها».

كما وصفه زميله في الدراسة الجامعية ورفيقه في الدعوة الدكتور أحمد العماري الزهراني، بقوله: «تعاصرت أنا والشيخ خليفة -رحمه الله- في الدراسة الجامعية إلا أنه كان في كلية اللغة العربية، وأنا كنت في كلية الشريعة، وكنا في مبنى واحد، وكان رجلاً جاداً وحاداً، وكان مكثراً للقراءة في المجلات والجرائد، وكان بيننا تواصلٌ بعد التخرج، وقد قمت بزيارته في بيته بالرس بناءً على طلبه، وأطلعني على كمٍ كبيرٍ من المقالات المنحرفة للتيار الليبرالي ورقياً والكترونياً معلقاً على بعض تلك الأوراق بالقلم الأصفر والأحمر، واتفقت أنا والشيخ على طباعة ما لديه بعد ترتيبها، وأنا أتولى معه الشراكة في طباعتها، وبالفعل رتب كتابه وأرسله إلكترونياً، ثم أبلغني بذلك، وقمت أنا بدوري في الصف الطباعي، وعرضت الموضوع على فضيلة الشيخ الدكتور وليد الرشودي فتبناه مشكوراً ودفعه إلى أحد معارفه من مصر، متبنياً تكاليف طباعته في مصر جزاه الله خيراً، ولم تكن هذه الطبعة المصرية التي تُعدُّ الأولى من الناحية الفنية بمستوى القيمة العلمية للكتاب، مما دعاني للاتصال بالدكتور نبيل الأمير مدير دار الدراسات العلمية للنشر والتوزيع بمكة، وعرضت عليه إعادة طباعة الكتاب بمصر مرةً أخرى فتبنى مشكوراً مأجوراً إن شاء الله معي ذلك فكانت الطبعة الثانية، وسُرَّ الشيخ بذلك وبمستوى الطباعة كذلك».

ومن ملامح موسوعيته العلمية ما عُرف عنه من قوة الذاكرة وسعة الاطلاع في سنٍ مبكرة من عمره، حيث كان طالباً للعلم، وقارئاً في معظم صنوف العلوم والمعارف، وهو فيما بعد ذلك المعلم معظم حياته، وهو المدير لمدارس ثانوية، ثم هو المعلم في تحفيظ القرآن، وهو المُربي والداعية، وهو المفكر والراصد الإعلامي الكبير للانحراف الفكري الحادث والطارئ على بلاد الحرمين، والخطير في الوقت ذاته على وحدة العقيدة والفكر فيها، وهذا مما ضاعف موسوعيته العلمية وتزكية علمه.

وقد يدخل في هذا الاستدلال عن موسوعيته ما وصفه به مشرف التحقيق أو كبير المحققين في سجن المباحث العامة حينما كان سجيناً -كما روى الشيخ نفسه لبعض جلسائه- فحينما كان يتحدث معه المحقق المباشر الذي يبدو أنه كان جديداً على التحقيق، وكان يقول له: اقرأوا وتنوروا وتثقفوا! وكانت هذه الكلمات على مسمع مشرف التحقيق الذي علَّق قائلاً على كلام زميله: هذا مشكلته جاءت من قراءته الكثيرة!

وعن موسوعيته العلمية والمعرفية فأنا لا أذكر أنني سألته عن مسألة تاريخية أو ثقافية أو علمية أو سياسية إلا أجاب عنها وبلغة الوثائق والأرقام وبالمراجع والمصادر.

بل إنه صاحب حظٍ وافر من المعرفة عن الشعوب والأقليات العرقية عالمياً وعبر التاريخ، فحينما تسمعه –على سبيل المثال- يتحدث عن جنس الألبان والبوشناق (البوسنويين) والسنجق من شعوب أوروبا الشرقية من المسلمين والفروقات بينهم ودولهم السابقة واللاحقة ترى نفسك أمام موسوعة علمية معنية بالأعراق والشعوب والفرق والأديان، والأمثلة في هذا كثيرة تُعد ولا تُحصى، ولا تسأل عن إلمامه الواسع والكبير في التاريخ الإسلامي وتاريخ الشعوب والدول من المسلمين وغيرهم.

وهو في الوقت ذاته مُلم بعموم العلوم الطبيعية في الفيزياء والكيمياء، والمعرفة العلمية العامة في علوم الأجنة والوراثة وتعديلاتها والجينات والاستنساخ ، وعلوم الجغرافيا بما يشد السامع له ويفيده كجوانب علمية معرفية.

وقد كتب عنه كثيرون في هذا الشأن ومن هؤلاء على سبيل المثال، ما كتبه زميله ورفيق دربه الأستاذ علي الزيدي في مقاله المُعنون (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور) حول بُعد الشيخ الثقافي وأنه موسوعةٌ علميةٌ متحركة، وفيه قال: «فما عليك إذا أردت معلومةً من [الشيخ] إلا أن تأتي بكلمة أو شخصية لها علاقة بما تسأل عنه، فستجد نفسك أنك تأخذ منه ما أردت وأكثر مُدعِّماً حديثة بالأرقام والتواريخ والأيام، لافتاً النظر إلى المصادر والمراجع في هذا الموضوع، وفرق بين من يقرأ الحدث من خلال ظواهره فقط، وبين من يسبر غوره تحليلاً ونقداً واستشرافاً للمستقبل، فكان كثيراً ما يذكر في مجالسه توقعاته المستقبلية والنتائج والآثار المحتملة، وهذه صفة تميزت بها شخصيته عن الآخرين، فقد كان الشيخ يعيش الحدث بماضيه وحاضره ومستقبله، وهذه نتيجة طبيعية للتكوين العلمي والثقافي السابق ذكره، فإذا جلست إليه واستمعت إلى حديثه فإن الحيرة تتملكك في تصنيفه، فهل هو شخصية سياسية، أم ثقافية، أم اجتماعية؟! وهذه تجعلنا نطلق عليه أنه شخصية موسوعية ذات أبعاد عِدَّة، ومن جوانبه الثقافية -وهي كثيرة- إلمامه بالجانب الجغرافي للبلدان ومسألة الطقس والأحوال الجوية التي كان يوليها اهتمامه الشخصي، فإذا سألته عن الجو وأحواله فستجد جواباً شافياً مبنياً على معلومات علمية وواقعية، وإذا ما سألته عن مكان فستجد أن الإجابة تتضمن تاريخه وتضاريسه وطبيعته بكل وضوح وكأنك تقرأ كتاباً في هذا الشأن، وكذلك المعارف العلمية العامة فله معها باع طويل، فحينما يتكلم عن مسألة علمية في العلوم فإنك سوف تقول في نفسك: هل أنا أمام مدرس في الأحياء أم في الفيزياء أم في الرياضيات؟ فالعجب يتملَّكك من موسوعيته، ولكن من يعرفه لا يستغرب ذلك! فتكوينه العقلي وقراءاته المتواصلة طوال عمره، وثراؤه المعرفي جعله أشبه ما يكون بموسوعة علمية معرفية، ولكنها موسوعة بشرية متحركة»([17]).

كما كتب الزيدي في ختام مقاله سابق الذكر عن موسوعيته وبُعده الموسوعي في الفكر والدعوة، وكان مما قال: «أما حياته مع الكتب اقتناءً ومطالعةً وقراءةً فحدث ولا حرج، فمكتبته مليئة بالكتب في شتى أنواع المعارف، وإن كان يغلب عليها الجانب الشرعي ثم الفكري والسياسي، وبعد ظهور وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت فقد مال الشيخ إلى استخدامها كثيراً حتى تكوَّن لديه إرشيف إلكتروني خاص، إضافة إلى إرشيفه الورقي السابق قبل العصر الإلكتروني.

وأبو محمد كان شخصية فذة في عصره، وفي رأيي وغيري أنه موسوعة لا كموسوعات الكتب، بل موسوعة متحركة تنمو، وكانت تزداد يوما بعد يوم بمعلومات وثراءٍ فكري استشرافاً للمستقبل بمعطيات الحاضر، وشاء الله عز وجل وقدَّر سبحانه أن تتوقف هذه الموسوعة، حيث أصابه المرض الخطير في الأمعاء ثم انتقل إلى الكبد، وصار الجسم ضئيلا نحيلاً لا يكاد يحمل لباسه الذي يرتديه.

وأخيراً أقول بثقة: إن أبا محمد فقيد أمة، وليس فقيد بلده الصغير الرس، أو فقيد وطنه السعودية لأنه كان يعيش هموم أمته لحظةً بلحظة، وسعى بأعماله ومشروعاته لحمايتها العقدية ونهضتها»([18]).

وكتب عن موسوعيته الشيخ صالح الساير في مقاله المنشور عنه فقال: «يُبهرك الشيخ في هذا الجانب، فما أذكر أني سألته عن شخصية قديمة أو معاصرة، أو كتاب أو توجه أو فرقة من الفرق، أو منهج من مناهج الدعوة إلا وجدت عنده شيئاً، وسعة اطلاعه كانت قديمة جداً، يذكر لي في إحدى الجلسات معه قائلاً عن نفسه في مرحلة المتوسطة كنت أرعى غنماً لوالدي ومعي الراديو لا يفارقني، استمع فيه وأتابع الأخبار، فالشيخ تجده في التاريخ بحراً، وفي الفكر والسياسة مرجعاً ومصدراً، وفي مناهج الدعاة وأساليبهم خبيراً، وكان يختصر لك في جلسة معه عناء بحث طويل في التاريخ والفرق، فهو بحق موسوعة متكاملة متحركة على الأرض»([19]).

وغرد عنه وعن موسوعيته الشيخ الدكتور حمود غزاي الحربي قائلاً : «بفقده الرس تفقد مرجعاً فكرياً وخبيراً مطلعاً على أدق تفاصيل الجماعات والأحزاب في الوطن العربي والإسلامي، ولديه مخزونٌ كبيرٌ عنه».

وممن كتب عن موسوعيته أبو عزام الأنصاري في تغريداته التي تجاوزت 18 تغريدة، وهو من تلاميذ الشيخ، ومما قال عنه: «إنه على اطلاع واسع، وثقافة عالية، ولا تقتصر علومه على جانب محدد من العلوم، بل هو موسوعي له في كل فن نصيب، وكان الشيخ متابعاً بدقة للساحة الفكرية والثقافية ولديه حصر كامل مليء بالوثائق لغالبية الكُتَّاب المعاصرين، والشيخ متابع -متابعة الفاحص المراقب- للساحة الثقافية والفكرية العربية ككلّ، لا يكاد يفوته منها شيء، وله تراث يُعتبر كنزاً من الكنوز، يحوي وثائق ذات قيمة عالية للغاية قلّ أن توجد عند غيره، وبرز أيضاً في علم التاريخ فكان إذا تحدّث فيه تظنّ أنّه فنّ الشيخ الذي تخصص فيه».

وقال عنه حسين بن ناصر العواجي: «الشيخ خليفة أعجوبة في حفظ اﻷسماء والتواريخ والأحداث، ويمتلك عقلية ناقدة بصيرة، تستمتع بالنقاش والحوار معه».

ومن ذلك ما كتب عنه تلميذه علي الفلاح فقال: «قارئٌ نَهِمٌ لا تكاد تسأله عن كتاب أو مؤلِّف إلا وأوجز لك نبذة عنه، متابعٌ للفرق، وراصد لما يُكتب في المجلات والجرائد وما يمس الدين وثوابته».

وكتب عنه الدكتور عبدالعزيز آل عبداللطيف فقال: «اللهم ارحمه وأكرم نزله، أفنى حياته مربياً للناشئة، معلِّماً للخير، غيوراً على دين الله، راصداً ومتابعاً لزندقة الليبراليين وأشباههم، فكان غيوراً على دين الله، يبذل وينشط ويتوقد حركة ونشاطاً لأجل استبانة سبيل المجرمين مع كبر سنه وضعف بدنه وقلة المعين، فاللهم ارحمه».

وعن موسوعيته كتبت عنه الدكتورة نوال الغنام كذلك فقالت: «رحم الله فضيلة الشيخ وتجاوز عنه ورفع منزله وأسكنه الجنة، أضاف بجهده إلى الموسوعة في المذاهب والأديان عملاً في الدعوة والإصلاح».

وكتب عنه في هذا صالح الرثيع فقال: «رحم الله الرجل الموسوعي الغيور على دينه وأمته الشيخ خليفة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة».

كما كتب عنه محمد المحيسن وأنه الخبير في مجالات مُتعددة فقال: «رحم الله شيخنا وأستاذنا الشيخ خليفة فنعم الرجل، كان مربياً، ومعلماً، ومديراً، وخبيراً في أحوال الأمة الاقتصادية والفكرية والاجتماعية والسياسية…».

وكتب عنه زميله في التعليم عبدالرحمن بن جمعة الرثيع فقال: «ومما عرف عنه سعة اطلاعه في السيرة والتاريخ، ومعرفة المؤلفين، وكتاب الصحف والمجلات، وكل ماله صلة بأهل الفكر والثقافة خاصةً من يكتبون أو يلمزون بالإسلام، ولم يكن هذا في السنين الأخيرة، بل كان متابعاً لذلك منذ عقود من الزمن، لقد كان كنزاً من كنوز العلم أودعناه الثرى».

وأختم الحديث عن موسوعية الشيخ العلمية بما وصفه به أبو حكيم عبدالله بن عبدالرحمن الطاسان، من خلال عرضه لخلاصة المحاضرة عن (مذاهب فكرية معاصرة) التي ألقاها الشيخ في جامع العجلان ببلدة الخبراء بتاريخ 22-23/2/1415هـ، وأورد الطاسان أبرز الفوائد التي استفادها من تلك المحاضرة قائلاً في مقاله المعنون بـ(موقف قديم!): «ومما أُسجله من فوائد هذه الدورة التالي:

1/ المذاهب الفكرية المعاصرة المسيطرة على الأرض منافسة للإسلام ليس بقوتها إنما بسيطرتها وفرضها على أبناء المسلمين مباشرة أو من خلال الأذناب.

2/ المسميات مختلفة ولكن كلها (حلقة مفرغة) تلتقي على الكفر بالله ومحاربة دينه، وإبطال الدين الصحيح.

3/ البروتستانتية فرقة نصرانية نشأت في القرن (15/16) في ألمانيا أولا، وسيطرت في منتصف القرن (17) بانتشارها في بريطانيا وهولندا.

4/ التيار العلماني أيد البروتستانتية لأنها تعطيه حرية أكثر، حيث كان للبروتستانتية رأي في الدين يتمثل في ترجمة الإنجيل إلى اللغات الشعبية أو ما يسمى بـ(شعبية الدين).

5/ الثورة الفرنسية ضد الملك لويس السادس عشر، ترجمة عملية لكره الناس للكنيسة، ولهم كلمة مشهورة (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)، وما كان من تحريف للدين يُعطي بعض المبررات لثورة الغرب ضد الدين، حيث نشرت الكنيسة الخرافة والفساد العريض بل إن بعض البابوات اشتهروا بالفساد الخلقي حتى أن (الاسكندر السادس بورجيا) اتهم زيادة على الزنا أنه زنى بابنته!!.

6/ كانت بلاد النصارى في حيرة ولكن التراث الحقدي الكبير جعل وصول الإسلام لهؤلاء الحيارى ضعيفاً كما أنه في القرن (17) كانت زعيمة الإسلام الدولة العثمانية، وكانت زاوية الانحراف كبيرة فلم تُمثل الإسلام حقيقة.

7/ شخصيتان في نفس العصر كان لهما دور في بذر العلمانية وإبعاد الشريعة (محمد على باشا والي مصر، ومحمود الثاني العثماني)، ففي عهد محمد علي باشا نشأت المحاكم التجارية كنموذج من إزاحة الشريعة، وكان لها دور كبير في إدخال المفاهيم الغربية ومنها العلمانية ليس ظهورا كبيراً وإنما البداية والبذرة.

8/ حسن العطار اختاره محمد على لمشيخة الأزهر لما ضُيِّق على علماء الأزهر مثل (أحمد مكرم)، وكان العطار مائلا للغربيين وقد أفتى بجواز الغناء وهو الذي اختار (رفاعة طهطاوي) للذهاب في بعثة لفرنسا حيث ذهب عام 1826 وعاد 1831م ذهب كشيخ للبعثة، فكان من أشد المتأثرين بالثقافة الغربية، وترك لنا كُتباً من أشهرها (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) .

9/ عبدالرحمن الجبرتي مؤرخ مصري دقيق ذكر مدى صدمة المصريين من الحملة الفرنسية على مصر صدمة علمية وخُلقية، حيث كان يُجري علماء فرنسا التجارب أمام علماء الأزهر، كما تأثرت نساء المسلمين بأخلاق الفرنسيات، حتى أن بنت شيخ الطريقة (الرفاعية الصوفية) (البكري) كَسَر ظهرها أمام الناس غسلاً للعار، لما لبست القصير ومارست الفاحشة مع الفرنسيين (كما روى الجبرتي)»([20]).

******

وفاته ورثاؤه:  

توفي رحمه الله فجر السبت في الرابع والعشرين من شهر رمضان لعام 1436هـ، عن عُمر ناهز 67 عاماً، وذلك بعد ابتلاءٍ وصراعٍ مع مرض السرطان وعلاجه حوالي ثلاث سنوات، كان فيها صابراً محتسباً لما أصابه، وصُلي عليه بعد صلاة التراويح في جامع الشايع بمحافظة الرس، ودُفن في مقبرة الرس العامة القريبة من هذا الجامع، والقبر لمن أراد زيارته في صف رقم: (23) وعامود رقم: (15)، وكان حضور الجنازة جمعاً غفيراً من محبيه وجيرانه وذويه من الرس ومن بعض مدن القصيم، وقد خلَّف الشيخ من الأولاد خمسة من الذكور وهم: (محمد، عبدالله، عبدالرحمن، معاذ، خالد)، وثمانيا من الإناث من زوجتين، رزقهم الله جميعاً بره بعد مماته ووفقهم وهداهم للحق أولاداً صالحين يدعون له ويخدمون تراثه ويسيرون على خُطاه –اللهم آمين-.

ورثاه كثيرٌ من زملائه وتلاميذه ومحبيه، وفي مقدمتهم زميل دراسته ودعوته الشيخ الدكتور سلمان العودة، وقد تجاوزت تغريدات الرثاء عنه التي تم جمعها فقط حوالي (125) مائة وخمس وعشرين تغريدة متنوعة، ومن أعداد كثيرة من الأشخاص، كما بادر آخرون بالإسهام في الكتابة عنه بمقالات أو رسائل تم تضمين معظمها في هذه الترجمة المتواضعة عنه.

ومن هؤلاء على سيبل المثال لا الحصر الشيخ سلمان العودة، رثاه بقوله: «اللهم ارحم عبدك الشيخ خليفة، وتجاوز عنه، واغفر له، واخلفه فيمن وراءه من أهلٍ وأحبابٍ بخير»، وكان قد غرد بالدعاء له أثناء مرضه: »اللهم الطف بعبدك، وأفض عليه من كرمك وعطائك وعافيتك».

ورثاه الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز الغفيلي بقوله: «في العشر الأواخر من شهر رمضان لعام 1436هـ فجع طلبة العلم والدعاة إلى الله بوفاة أحد أعلامهم وأبرز مفكريهم الشيخ الباحث خليفه، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء».

ورثاه الشيخ حمد الحريقي فقال: «رحل الشيخ الغيور، وخلَّف وراءه مدرسة في نواحٍ عدة رحمه الله وشهد له الكثير بذلك».

ورثاه علي الدهامي فقال: «لقد فقدت الرس اليوم أحد أعلامها، وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون».

ورثاه علي الفلاح بعدة تغريدات، ومنها قوله: «شيخي وحبيبي أبا محمد فقدتك وأي ألمٍ لهذا الفقد!، يعتصرني ألم وداعك وأي ألم!، مواقفك شامخة، وعطفك غامر، تركتني للذكرى، تغمدك الله بواسع رحمته، والهمني الصبر على فراقك، مما يواسينا ويخفف مصابنا حب الناس ودعواتهم له، والجمع الغفير في جنازته وعزاء بعضهم لبعض، أنتم شهداء الله في أرضه، وأخيراً فإلى الجنة أبا محمد إن شاء الله، جمعنا الله وإياك في دار كرامته، ورزقك الفردوس الأعلى».

ورثاه عبدالله بن عيد العتيبي فقال: «رحم الله مدير مدرستنا وغفر له، ففي فترة الغزو كان لنا الشيخ خليفة نِعم المربي والأستاذ، أحسن معاملتنا وإكرامنا كطلبة كويتيين».

ورثاه الدكتور عبدالله السكاكر فقال: «اللهم ارحم عبدك الوافد عليك الشيخ خليفة، اللهم إنه طالما غضب لك فلا تغضب عليه، وحامى عن دينك فاحم بدنه عن النار، اللهم أقر عينه بك».

وكتب عنه علي الريشان رثاء قال فيه: «رحم الله الشيخ جالسته وحاورته فأفدت منه، وعرفت فيه الغيرة على الملّة، والنُّصح للأمة، فاللهم نضِّر وجهه برؤيتك في الفردوس الأعلى».

ورثاه الدكتور خالد الدغيّم فقال: «خليفة البطاح: إذا ما مات ذو علم وتقوى *** فقد ثُلِمت من الإسلام ثُلمه. اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، رحمك الله أبا محمد».

وممن رثاه الدكتور حسن الحميد فقال: « رحمك الله أبا محمد وأنزلك منازل المقربين، وأخلف على أهلك وذويك خيراً. بذلت وقتك وجهدك كاتباً وداعياً. آنسك الله في مضجعك».

وكذلك رثاه الدكتور صالح الصقير فقال: «اللهم اغفر لعبدك خليفة البطاح، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة. كان يستعد لهذا اليوم، لم يكن له هم ولا شغل إلا الدعوة إلى الله».

ورثاه خالد التركي فقال: «أحببته وأنا لم ألتقِه لعقِبه الطيب، وازداد الحب لما قرأت الثناء عليه، رحمه الله وثبته بالقول الثابت».

كما رثاه أبو ريمان فقال: «نِعم الزميل ونِعم المربي، كان ذا همة يحمل هم الأمة، لا تأخذه في الحق لومة لائم، هو شوكة في حلوق الحداثيين والتغريبين».

ورثاه ماجد القشعمي فقال: «رحم الله الشيخ خليفة، وأسكنه فسيح جناته، يكفي أن تطَّلع على هذا الهاشتاق لترى ما سيبقى منك بعد رحيلك.. والذكر للإنسان عمر ثان..».

ورثاه الأستاذ الدكتور أحمد باهمام فقال: «انتقل إلى رحمة الله المربي الفاضل الشيخ خليفة، أستاذنا في المرحلة الثانوية، من أفضل من عمل في مجال التربية والتعليم».

كما رثاه وكتب عنه بدر فقال: «خليفة البطاح دعا له المسلمون، وشهد له الفضلاء، ما أظنه إلّا مؤمناً، استراح من نصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، رحمه الله وأسكنه الجنة».

وممن رثاه الدكتور فهد بن عبدالله العزام فقال: «رحم الله الشيخ وآواه في الفردوس الأعلى، نِعم الرجل والمربي والمنافح عن الدين والحق، وهذا صادق العزاء لأسرته الكريمة».

ورثاه الدكتور فهد التويجري فقال: «نِعم الداعية والمربي خليفة البطاح رحل عن الدنيا بعد مرض أصابه، جعل الله ذلك رفعة لدرجاته وتكفيراً لذنوبه».

كما رثاه عبدالله باقوي فقال: «خليفة البطاح لو تحدثنا عنك عمراً لن نُوفيك حقك، فقد تعلمنا منك الكثير، نعم المعلم والمربي، رحمك الله، أسأل الله أن يرزقك الفردوس الأعلى».

ورثاه عمر العبيد فقال: «لا أغبط أحدا كما أغبط هؤلاء الكرام، الذين يفوح شذى سيرتهم ومواقفهم بعد رحيلهم، وتجتمع القلوب على حسن أيامهم!».

ورثاه المهندس إبراهيم الناصر فقال عنه: «لرحيله فقدت الساحة الفكرية المحلية السلفية مناضلًا عميقًا، ومحاميًا قويًا عن المنهج السلفي ضد هجمات الليبراليين والعصرانيين».

وممن رثاه الشيخ الدكتور حمود غزاي الحربي قائلاً: «رحل الشيخ خليفة صابراً محتسبا على ما أصابه خلال سنوات، ينتقل إلى سعة رحمة الله وكرم ضيافته، اللهم تقبله في الصالحين ووسع مدخله وارحمه».

وكتب عنه سامي الدريس فقال: «اللهم اغفر له وارحمه، داعيةً؛ حَمَل مع الأوائل أعباء الصحوة المباركة، اللهم اجزه عنا وعن الصحوة والدعوة خيراً».

فهذه المراثي والنعي والتأبين للشيخ تكشف عن حجم مكانة الشيخ في نفوس الناس ومحبيه وزملائه وتلاميذه، كما أنها تكشف – إن شاء الله – عن محبة الله له بسبب الابتلاء، فإن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، كما ورد عن رسول الله r : (إن الله إذا أحب عبداً دَعَا جبريل فقال: إني أحب فلاناً فأحبَّهُ، قال: فَيُحِبُّهُ جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يُحبُّ فلاناً فَأحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهل السماء، قال: ثُمَّ يُوضَعُ لهُ القَبُولُ في الأرض، وإذا أبغض عبداً دَعَا جبريل فيقول: إني أَبْغِضُ فلاناً فَأبغِضْهُ، قال: فَيُبغِضُهُ جبريل، ثُمَّ ينادي في أهل السماء إن الله يُبغض فُلاناً فأبغِضُوهُ، قال فَيُبغضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغضَاءَ في الأرض)([21]).

وهذه المراثي غيض من فيض عن شيخ نَصَر دين الله فنصره الله بثناء عباده عليه، ومن هذا الانتصار أن كتب الله له القبول في الأرض بين العباد، وقد عبَّر عن هذا الجمع من المُعزِّين وتعزياتهم أحدهم، وهو حسين العواجي بقوله: «هذا الثناء على الشيخ رحمه الله من رجالات العلم والدعاة والأعيان وعامة الناس مما نأمل أن يكون من عاجل بشراه، رحمه الله، وأدخله في عباده الصالحين، ورفع درجته في المهديين، وألحقنا به في جنات النعيم.. آمين.. آمين».

 

ومما قيل في رثائه شعراً ما قاله الأستاذ خالد الوقيت:

أأبـَـــا محـــمّد والمــنيةُ موئــــلٌ   ******    مهمـــا اسـتمرّ العمرُ بالإنســــانِ

فــارقتَنا والدمعُ مـلءُ عـيونـنـــا   ******    وقلــــوبِنا في لُجـّـة الأحـــــــزانِ

ماذا أقول وبـاعُ شعري قاصـــرٌ   ******    عن قامةٍ شمخت كهضب أبــــانِ

لن استطيع بلوغ مـا في داخلــي   ******    من حسرةٍ باتـــت تـهزّ كيـانــــي

لك في فؤادي رغم بُـعد لقائنـــا   ******    قَـدرٌ عظــيم ثـــــابت الأركـــــانِ

قد كنتَ أستاذي زمـانَ دراستـيِ   ******    نعم المربّـي والنـصيح الحـــــاني

قد كنتَ نبراســا يشــــعّ محـــبةً   ******    للآخـــرين بلـهـفـةٍ وتـفــــانــــــي

قد كنتَ صَرحـاً شامخـاً لم يثنـهِ   ******    سُقمٌ عـن التعلـــيم والإحســـــــانِ

قد كنتَ بـرّاً صــادقاً متواضعــاً   ******    متوشحـــاً بنفــــائس العرفــــــانِ

إني وقفتُ أمـام قـبرك داعـيــــاً   ******     والذكريـاتُ جميعُهـــا تغشـانـــي

وكــأنّ هـذا العـــمر حُلم سويعةٍ   ******    مرّت برغم تطـــاول الأزمـــــانِ

أضفـى علــيك اللهُ من رَحمـاتــهِ   ******    وجَـزاك بالتكـريـم والرضــــوانِ

ولعل هذه المرثيات والتغريدات مما يصدق فيها قول المصطفى r لأصحابه بعد ثنائهم بالخير على إحدى الجنائز: (من أثْنيتُم عليه خيرًا وجبَتْ له الجنةُ، ومن أثْنيتُم عليه شرًّا وجبت له النارُ، أنتم شهداءُ اللهِ في الأرضِ، أنتم شهداءُ اللهِ في الأرضِ، أنتم شهداءُ اللهِ في الأرضِ) (صحيح مسلم: 949)، رحم الله فقيدنا، فقيد العلم والفكر والثقافة، فقيد التربية والدعوة والتعليم، فقيد الرس وما هو أكبر من الرس، والعزاء بأبي محمد أن ما عند الله خيرٌ له مما عند محبيه، وأن ما عند الله خيرٌ للأبرار، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى من هذه الحياة الدنيا، جعله الله من الأبرار بجوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

___

 

[2])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي:

http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

[3])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي:

http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

[4])) كاريزما: هي كلمة معرّبة وهي يونانية الأصل، وتعني في الاستعمال الشائع قوة التأثير والقدرة على جذب الناس وقيادتهم. ومن ثَمّ فالشخصية الكاريزمية هي الشخصية الجذّابة التي يعجب بها من يتواصل معها ويتأثر بها. انظر: الجزيرة نت، الرابط التالي: http://goo.gl/0o3rYu.

[5])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي:

http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

([6]) انظر: خليفة بن بطاح الخزي، (الليبراليون الجدد – الواقع المحلي، المحور الأول- الانحرافات العقدية)، الطبعة الثانية، ص 12.

[7])) انظر بتصرف يسير: عن المقال كاملاً على الرابط التالي: https://www.facebook.com/fahad1525/posts/927893290601301

([8]) انظر: صالح بن ساير المطيري، مقال بعنوان: (جوانب من حياة فقيد الرس أبي محمد الشيخ خليفة الخزي -رحمه الله-)، موقع الرس إكس بي XB، الرابط التالي: http://www.alrassxp.com/forum/t63267.html

[9])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي:

http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

[10])) انظر: للاطلاع على الحلقة التلفزيونية في اليوتيوب، الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=aIoHtnH8JPM.

[11])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي: http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

([12]) انظر: صالح بن ساير المطيري، مقال بعنوان: (جوانب من حياة فقيد الرس أبي محمد الشيخ خليفة الخزي -رحمه الله-)، موقع الرس إكس بي XB، الرابط التالي: http://www.alrassxp.com/forum/t63267.html

([13]) انظر: صالح بن ساير المطيري، مقال بعنوان: (جوانب من حياة فقيد الرس أبي محمد الشيخ خليفة الخزي -رحمه الله-)، موقع الرس إكس بي XB، الرابط التالي: http://www.alrassxp.com/forum/t63267.html

([14]) جزء من مكتوب الشيخ الأمام الزاهد شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي، انظر: مقدمة الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية دراسة وتحقيق حمد بن عبدالمحسن التويجري ، دار الصميعي، الطبعة الأولى، عام 1419هـ، ص 18.

([15]) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، حديث رقم: (1631).

[16])) انظر: محمد بن حمد الهوشان، مقال بعنوان: (نخاولة المدينة المنوّرة .. الافتراء على التاريخ)، مجلة البيان، الرابط التالي:

http://www.albayan.co.uk/RSC/article2.aspx?ID=3333

[17])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي:

http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

[18])) انظر: علي بن صالح الزيدي، مقال بعنوان: (الشيخ خليفة بن بطاح الخِزِّي -رحمه الله- في سطور)، بتاريخ 15 شوال 1436هـ، الرابط التالي:

http://www.awda-dawa.com/Pages/Articles/Default.aspx?id=32521

([19]) انظر: صالح بن ساير المطيري، مقال بعنوان: (جوانب من حياة فقيد الرس أبي محمد الشيخ خليفة الخزي -رحمه الله-)، موقع الرس إكس بي XB، الرابط التالي: http://www.alrassxp.com/forum/t63267.html

[20])) انظر: عن المقال كاملاً على الرابط التالي: https://www.facebook.com/fahad1525/posts/927893290601301

[21])) رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم: (2637).

 

 

لتحميل السيرة الذاتية على هيئة pdf  حمل الرابط :

‫الترجمة المختصرة المعتمدة للشيخ خليفة الخزي – حياته الشخصية

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

المعذرة, التعليقات مغلقة على هذه التدوينة حالياً.