ملاحظات على بحث معركة الثوابت لعبد العزيز كامل

20 أكتوبر، 2016 1674 عدد الزوار

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة ونقد وتحليل لكتاب الشيخ الدكتور عبد العزيز كامل
: معركة الثوابت بين الإسلام والليبرالية
كتبه : خليفة بن بطاح الخزي

1) في ص6 من المقدمة , وضع الباحث قاعدة عامة في الانحراف , وهي أن الإفراط في التشدد يقابله الإفراط في التساهل , وجعل المرجئة مقابل الخوارج بناءً على هذه القاعدة , والصحيح أن الفكر الإرجائي والفكر الخارجي ينطلقان من منطلق يكاد يكون واحداً , فالخوارج أدخلوا كل العمل الواجب و الامتناع عن المحرم في مسمى الإيمان فكفّروا بالمعصية , والمرجئة خاصةً الغلاة منهم أخرجوا العمل كليّة من أصل الإيمان ومسماه , فوصل الأمر ببعضهم إلى المروق من الدين بالكلية كما يرى كثير من العلماء , والذي يظهر هو الترابط بين الفكرتين وإن ظهر خلاف ذلك , وقد أوضح هذا الأمر الشيخ الدكتور سفر الحوالي في كتابه عن الإرجاء , وكذلك بنى الباحث على هذه القاعدة , أن ” من غلوا في إعمال العقل في نصوص الوحي قابلوا بذلك صنيع من بالغوا في تعطيل دوره في فهم المقاصد والمصالح والمآلات التي تهدي إليها روح الشريعة ” , وهذا غير صحيح , فالذين بالغوا في إعمال العقل كالمعتزلة , كان دافعهم لذلك أمور أخرى معروفة عند العلماء , وليس منها ردة الفعل التي أشار إليها الباحث , ثم إنه لا يوجد بشكل ظاهر ” من بالغوا في تعطيل دوره في فهم المقاصد والمآلات والمصالح … ” في تاريخ الإسلام لا سيما في الصدر الأول , عدا بعض الظاهرية وهم قلة , بل إن ردة فعل المعتزلة وأمثالهم كانت على أهل السنّة الذين أعملوا النصوص وعملوا بها ولم يلغوا عقولهم , وإن كانت هذه التهمة قد رددها المعتزلة واتهموا بها أهل السنة . ومما يدعو إلى العجب , أن الباحث حصر سبب انحراف المعتزلة ونشأة مذهبهم , بالتأثر بالفلسفات اليونانية المنقولة إلى التراث الإسلامي , عندما قال ص 70 : ” ومعلوم أن مذهب الاعتزال لم ينشأ إلا عن طريق نقل الفلسفات اليونانية إلى التراث الإسلامي ” , وبديهي أن حصر نشأة المعتزلة بهذا السبب فقط ليس صحيحاً , وهو نقض لكلامه السابق عن ردات الفعل من الذين أعملوا العقل , ضد الذين لم يعملوه , وبالغوا في تعطيل دوره , ومن المعلوم أن نشأة المعتزلة أسبق تاريخياً من التوسع في الترجمة عن اليونان في عصر المأمون .
2) في ص 8 , تكلم الباحث حول ردات الفعل على الانحراف الكنسي , وتمرد الجمهور الأوربي على الكنيسة واتجاهه إلى العلمانية , وهذا حق في مجمله , ولكنه جعل الفكر الإلحادي الذي نتجت عنه الشيوعية , ردة فعل على الأرثوذكسية النصرانية المنتشرة في أوربا الشرقية وروسيا , وهذا غير دقيق , فالإلحاد نشأ في غرب أوربا قبل الشيوعية بكثير , وفي زمن فلاسفة عصر التنوير المبكر , ثم إن منظري الشيوعية في القرن التاسع عشر , لم يكونوا من الأرثوذكس ولا من أوربا الشرقية , فماركس كان من أصل يهودي من ألمانيا كما أشار الباحث , وإنجلز كان بريطانياً بروتستانتياً , وكان تنظيرهم للثورة الشيوعية يؤكد على أنها ستحصل في بريطانيا , لأنها كانت ذروة الرأسمالية حسب تصويرهم لمراحل تطور المجتمعات , ولكنها قامت في روسيا القيصرية الإقطاعية خلاف توقعهم , ولعل هذا هو سبب الخطأ لدى الباحث .
3) في ص 9 , يرى الباحث أن سقوط الشيوعية والاتحاد السوفييتي , أبقى ” القسم الأخطر من شقي الشقاء , وهو الليبرالية الرأسمالية ” , ولا أدري على أي أساس بنى الباحث رأيه هذا ؟ , فالشيوعية لا تقل خطراً , إن لم تكن أخطر في زمن قوتها وعنفوانها , وعلى أية حال فيجب إيضاح الأمر للقارئ , حتى لا يذهب في فهم الجملة إلى غير ما أراد الباحث .
4) تكلم الباحث في ص 10, عن الذين ” يريدون التحرر من الدين لأجل الدنيا في بلاد المسلمين ” , وأن ” لسان حالهم يقول بتحريفه وانحرافه ” يعني الإسلام , فهل هم فعلاً يقولون ذلك بلسان الحال فقط , أم أنهم يقولونه بلسان المقال أيضاً , وبشكل صريح وواضح ؟ .
5) يرى الباحث في ص 11 , أن حجة ” الليبراليين الرأسماليين ” , وتكأتهم ” في التخلي عن وازع الدين اتكالاً على وعود موهومة من رب العالمين : ” وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ” … ” وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ” … ” , وهذه حجج اليهود والنصارى المتقدمين , أما هؤلاء الذين أشار إليهم , فحجتهم نفي الدين جملة وتفصيلاً , والقول بمادية الحياة , فحتى الذين يزعمون منهم الاعتراف بالدين يرون ذلك , وهم الذين سماهم الباحث في كتابه هذا ” الليبرالية الدينية ” , ولا ننسى الإشارة إلى أن الباحث ذكر في بحثه هذا , أن البروتستانت ينكرون البعث تبعاً لليهود , وعلى هذا فليسوا بحاجة إلى الاتكاء على هذه الحجة .
6) وفي الصفحة السابقة يرى الباحث , أن الليبرالية ” ديانة بلا إله ولا طقوس ولا شرائع ولا قيم ” , وهذا غير صحيح فلها كل ذلك , والباحث نفسه أثبت لها ذلك في مواضع كثيرة من هذا البحث , بل هو في ص36 قال عنها : ” يكاد يكون ديناً ” , فلا حاجة لاستعمال الفعل يكاد , لأنها كذلك عند سدنتها , والدليل على ذلك ما ذكره الباحث في نفس الصفحة والتي بعدها , وفي الفصل الثاني من البحث ص 93 – 187 .
7) يتكلم الباحث ص 16 عن فلسفة التاريخ عند ” كانت ” , وأن ” تاريخ البشرية واحد متصل ومتواصل , يبدأ كله برحلة الميلاد , ثم الطفولة , ثم الشباب والنضج والقوة , ثم الضعف والموت , لتحدث بعد ذلك ” نهاية التاريخ ” أو ” نهاية العالم ” أو ” يوم القيامة ” . ” , وهذا يخالف قوله في الهامش في نفس الصفحة إيضاحاً لما سبق ” يرى كانط في نظرته للتاريخ أن التطور سيسير حتماً نحو الأفضل , والانتصار في النهاية سيكون لقوى الخير والقيم الإنسانية في نظره على قوى الشر ” , ويخالف تفسيره لحقيقة ” نهاية التاريخ ” عند فوكوياما , المستمدة من كانت وهيجل ونيتشه , عندما يقول ص 19 ـ 20 : ” فالنظرية في الحقيقة لا تقصد المعنى المتبادر من نهاية العالم , بل ( بداية التاريخ ) الجديد , وقد أكد فيها أن الليبرالية الغربية هي المصير الأخير للبشر , والخلاص النهائي لكافة الشعوب .. ” .
8) في ص 18 يرى الباحث , أن ( ماركس ) ” حاول تعديل نظرية ” ( هيجل ) , والصحيح أنه قلبها وقلب منطقها , لأنها في رأيه كانت واقفة على رأسها , فأقامها على أقدامها حسب تعبير ماركس نفسه , وفي الهامش في نفس الصفحة , يرى أن ” فلسفة هيجل روحية أو مثالية وأن فلسفة ماركس مادية ” , وعند التأمل والتدقيق يتضح أن كلا الرجلين كانا ماديين , وأن الفارق بينهما هو في التركيز على عوامل دون أخرى , فماركس يعتمد على العامل الاقتصادي , و (هيجل ) يؤكد على الصراع السياسي والعسكري والفكري , وفي الهامش من الصفحة نفسها , يرى أن ماركس ” زميل ” لهيجل , والأصح أنه تلميذه , فالفارق بينهما في العمر يصل إلى خمسين عاماً , وقد نص على أنه ” أستاذه ” في نفس الهامش , ولعله أراد أنه كان موافقاً له في نظريته حول جدلية التاريخ , ثم تحول إلى نظريته الخاصة في الجدلية المادية .
9) في ص19 يرى الباحث , أن فكرة نهاية التاريخ لفوكوياما مستمدّة من هيجل أو نيتشه , والصحيح أنها مستمدّة من الفلسفة الغربية والنظرة الغربية للأمور , والغريب أن الباحث يرجع في نفس الصفحة ليرى أن نظرية فوكوياما , هي ” الخلفية الفلسفية لهذا التوجه نحو الهيمنة ” , والحقيقةً أن فوكوياما لا يعدو أن يكون معبراً عن الفلسفة الغربية والتوجه الغربي المعروف , ونتيجة لهما في كتاب / مقال محدد , فكيف يكون خلفية فلسفية للتوجه للهيمنة ؟ .
10) في ص22 يقول الباحث عن نظرية داروين : ” بعد أن صاغها ( دارون اليهودي ) .. ” , وللعلم فهو ليس يهودياً .
11) في ص23 ومواضع كثيرة من البحث , أكثر الحديث عن ” المحافظون الجدد ” , وتحميلهم مسؤولية عدوانية أمريكا وسياستها الجديدة , وهذا غير دقيق لأن فلسفة الغرب أساساً وراء هذه السياسة الإجرامية العدوانية , ولا شك أن تكرار تحميل هذه الفئة مسؤولية السياسة العدوانية لأمريكا قد يفهم على أنه تبرئة للتيارات الأخرى .
12) في ص25 أثناء الحديث عن المشروع الأمريكي الجديد لنشر الديمقراطية … الخ , قال الباحث : ” وقد رفضت عدة دول عربية المشروع وقت إعلانه لأنه يسير وفق أجندة أجنبية لا تعير اهتماماً لمصالح وخصوصيات المنطقة ” , فهل هذا الرفض من هذه الدول هو فعلاً لأن المشروع يسير ( وفق أجندة أجنبية .. ) ؟ , وهل خرج هؤلاء أصلاً عن الأجندة الأجنبية ؟ , ومتى ؟ , أليس في ذلك تزكية لهؤلاء ؟ , فهم ليسوا أهلاً لشرف رفض المشروع لهذا السبب , أما رفضهم للمشروع فسببه معروف لو تأمله الباحث , وهو أنه قد يحد من حريتهم في الاستبداد والظلم , وقد أشار الباحث بنفسه إلى ذلك , ص26 في المحور الثالث .
13) تكرر استعمال مصطلح ( الصهاينة العرب ) , ص27 وغيرها , والأفضل في بحثٍ علمي تجنب مثل هذه المصطلحات , مع أنهم يستحقونها وأكثر .
14) في ص34 أثناء تعريفات الليبرالية , نقل الباحث عن موسوعة ويكيبيديا الالكترونية , وأحال عليها ص 46 كمصدر لبعض المعلومات عن مارتن لوثر , وأعاد الإحالة إليها مرة أخرى ص 124 – 125 في تعريف ” النسوية ” , وهي ليست مصدراً معتمداً للتعريفات والتوثيق العلمي , لا سيما مع وجود مصادر أخرى تغني عنها .
15) في ص38 قال الباحث : ” ووجد من العرب والمسلمين منذ أواخر القرن التاسع عشر من تتلمذوا عليهم , ولم يكونوا أقل حرصاً منهم على الترويج للفكر الليبرالي …” , والصحيح أن هؤلاء وجدوا منذ أوائل القرن التاسع عشر وليس في أواخره , ومن أبرز هؤلاء رفاعة الطهطاوي .
16) في ص 41 , ذكر الباحث دخول الملك قسطنطين ” الظاهري ” في النصرانية , وأشار إلى عدة أسباب لذلك , ولكنه ترك السبب الأساسي لذلك , وهو أن أمه ” هيلين ” كانت نصرانية , وذكر أنه اعتنقها ” في صورتها الممسوخة على يد اليهودي ( بولس – شاؤول ) ” , وهذا صحيح , ولكنها قد ازدادت انحرافاً على مدى مئات السنين , ثم أدمجها قسطنطين في الوثنية الرومانية , فابتعدت عن أصولها أكثر فأكثر , أو كما قال أحد العلماء المسلمين وأظنه الباقلاني : لم تتنصر رومة ولكن ترومت النصرانية .
17) في ص39 ـ 40 , أشار الباحث إلى دور يهود ( المارانو ) (المتخفين) , في بدايات النقد الديني لدى النصارى في أوروبا ونشأة البروتستانت , وذكر ذلك في أكثر من موضع , وكل ذلك بدون إحالة إلى مرجع معتمد , مع العلم بأن نشأة الفكر النقدي لدى النصارى في أوروبا , له أسبابه الموضوعية التي أشار إليها الباحث نفسه في أكثر من موضع , بل وفي الصفحة نفسها بعد عدة أسطر من كلامه . ثم إن النقد الديني والاعتراض على جرائم الكنيسة وخرافاتها وفسادها في أوربا , بدأ في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي , والمصادر التي أحال إليها الباحث تذكر ذلك , ومع ذلك لم يشر إليها الباحث , والسبب معروف : التأكيد على دور مارتن لوثر وأثر اليهود المارانو في ذلك , وهذا خلاف أصول البحث العلمي .
18) أشار الباحث ص 40 إلى بداية ظهور هذه الموجة النقدية في مطلع القرن السادس عشر , وأن أجواء هذه الموجة ساعدت على ظهور مارتن لوثر , ولعل الصحيح ـ على القول بالبداية المتأخرة ـ أن بداية هذا النقد وهذه الموجة كان في بداية القرن الخامس عشر , لأن لوثر نفسه كما أشار الباحث نفسه ص 46 عاش بين 1482 ـ 1546 للميلاد , إذاً كيف تكون البداية النقدية متوافقة في الزمن مع الذروة التي هي مارتن لوثر وكالفن ؟ .
19) عندما تكلم الباحث عن أوربا ورفضها لهداية الرسل , قال في ص 40 – 41 : ” ولما علم المسيح – عليه السلام – أن دين القياصرة هو الملك والمال والجاه , جاء في المقولة المنسوبة إليه , فيما يشبه اليأس من استجابتهم : ( دع ما لقيصر لقيصر , وما لله لله ) ” , فأولاً : لا يجوز نسبة اليأس للرسل بلا دليل فكيف بمجرد ” مقولة منسوبة ” , ثانياً : هذه المقولة – لو صحت – فلها مناسبتها المذكورة في موضعها من الأناجيل , وهي أداء الضريبة للقيصر إجابة على سؤال اليهود الفريسيين الاستفزازي عن ذلك , فلماذا توجه وجهة أخرى بعيدة عن المناسبة ؟ , لا سيما وأن هذه المقولة ستستخدم كثيراً , من قبل الليبراليين الأوروبيين وأذنابهم من المنتسبين للإسلام , للتشريع لليبرالية والادعاء يعدم تناقضها مع الدين .
20) وفي ص42 أشار في الهامش , إلى أن ” البرابرة ” الذين سقطت روما على أيديهم عام 476 للميلاد , هم ” ( النورمانديون والفايكنج ) المتحدثون بالفرنسية ” , وهذا لا يكون مطلقاً , لأن الفايكنج هم النورمانديون , وهم من اسكندنافيا من أقصى الشمال الأوروبي , وتاريخ غزوهم لأوروبا , وتاريخ اللغة الفرنسية متأخر كثيراً عن تاريخ سقوط روما .
21) في ص 43 ـ 44 , أشار الباحث إلى الآريوسيين , وأنهم انقرضوا في أواخر القرن الخامس الميلادي , وفي نفس الوقت والفقرة يشير إلى بقائهم حتى زمن الرسول عليه السلام في بداية القرن السابع الميلادي , أليس في ذلك تناقض أو خلل أو نقص في المعلومات ؟ . وأشار في المكان نفسه إلى أنهم موحدون وهم ليسوا كذلك , وقراءة الحوار الذي دار بين آريوس وبين بطرك الإسكندرية بحضرة الملك قسطنطين تبين ذلك , انظر : هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ص 173 – 174 ط الجامعة الإسلامية 1396 هجرية , فربما كانوا أقل انحرافاً من أتباع قسطنطين ولكن لم يكونوا موحدين , بينما الباحث يرى أنهم , من ” الفرقة الناجية على منهاج عيسى عليه السلام ” ص43 , ويرى أن آريوس ” كان ينشر العقيدة الصحيحة في شأن عيسى عليه السلام من أنه عبد الله ورسوله , وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ” ص 44 , ويشير في نفس الصفحة إلى أن الآريوسيين هم المذكورون في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ” فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ” , وبالرجوع إلى فتح الباري ج 1 ص 39 ط السلفية في شرح هذا الحديث , سنجد أن الأريسيين هم أتباع هرقل الذين أضلهم من شعبه .
22) في ص39 ـ 78 , أطال الباحث حول علاقة الإصلاح الديني البروتستانتي النصراني باليهودية , وكرر ذلك وألح عليه في أكثر صفحات البحث , ووقع في عدة أخطاء ومبالغات , ففي ص 39 – 40 أشار إلى يهود المارانو المتخفين في أوربا , الذين ” بدءوا في انتحال المناصب الدينية النصرانية التي كانت تشترى بالمال وتؤخذ بالرشوة . وبما أن اليهود هم دائماً أكثر اللاعبين بالمال والرشا , فقد استطاع كثير من أفراد تلك الطائفة أن يشتروا المناصب الكنسية . ومن فوق كراسي تلك المناصب الدينية النصرانية , بدأ نفر من اليهود ينقدون تلك الديانة من الداخل ” , وكرر الإشارة إلى يهود المارانو في أكثر من موضع , فيرى في ص 52 ـ 53 , أنهم ” تسللوا إلى مراكز التأثير والسلطة في المجتمع , بما في ذلك أروقة الكنائس , حيث تغلغل بعضهم إلى عقر الكنيسة , وتسلموا مناصب قيادية فيها …. وراح بعض أساقفة الكنيسة من اليهود المتخفين يثيرون من الداخل الشبهات ويطلقون الأراجيف حول ثوابت الكنيسة , لعلها تهتز ثم تسقط مع الزمن , ولم يكن ذلك بطبيعة الحال في الأندلس التي أصبحت ( أسبانيا ) فحسب , بل في العديد من دول أوربا , ومنها ألمانيا التي ظهر فيها مارتن لوثر , والتي صادف ظهوره فيها تلك الأجواء المتحرشة بالكنيسة والمتربصة بها ” , وبعد أن يلمح إلى علاقة بعيدة للوثر باليهود المارانو , يصرح بعلاقته بهم وحماسه لهم ودفاعه عنهم ومحبته لهم ص 53 – 54 , ثم صرح بتأثره باليهود المارانو مباشرة ص 54 , ثم نقل عن بعض ” الباحثين ” أن لوثر ” كان من طائفة المارانو ” ص 54 , وذكر في ص 53 اعتراض لوثر على اضطهاد الكنيسة لليهود , وأن ذلك ” كان من المسائل الهامة التي بدأ بها مارتن لوثر حركة احتجاجه ” , واعتبره من الأدلة على رأيه , ونسي أنه في ص 48 , ذكر أن بداية اعتراض لوثر على الكنيسة , كان ” ضد مسألة ( صكوك الغفران ) ” , وبالرجوع إلى المصادر التي أحال إليها عن هذه المعلومات عن اليهود المارانو , نجد أن هؤلاء كانوا في أسبانيا والبرتغال , وبدأت أسبانيا في الضغط عليهم بعد سقوط غرناطة سنة 1492 للميلاد , ثم شدد الأسبان عليهم وألزموا ملك البرتغال بالتشديد عليهم عام1536 للميلاد , وبدأ عمل محاكم التفتيش ضدهم في منتصف القرن السادس عشر الميلادي , فهاجر كثير منهم إلى المدن البروتستانتية , هامبورج في ألمانيا وأمستردام في هولندا ثم في وقت أكثر تأخراً إلى لندن في إنجلترا , وقد ذكر الباحث هذه الهجرة عندما قال حرفياً ص 59 – 60 : ” ومن هؤلاء وعلى رأسهم ( يهود المارانو ) الذين طردهم الأسبان الكاثوليك من شبه جزيرة إيبيريا في زمن محاكم التفتيش في الأندلس , فلجئوا إلى الدول التي دانت بالمذهب البروتستانتي مثل : لندن , وأمستردام , وهامبورج ” , فكيف يلجئون إلى البلاد البروتستانتية ثم يقال أنهم العامل الأهم في نشأتها ؟ , وأشار المسيري الذي أحال عليه الباحث إلى ضعفهم وهامشيتهم , وميلهم إلى العلمانية وخلافهم مع حاخامات اليهود الذين لم يعترفوا بيهوديتهم , واهتمامهم بالتجارة , ولم يشر مطلقاً إلى علاقتهم بنشأة البروتستانتية , وهذا ما توهمه إحالة الباحث على المسيري , وأشار المسيري أيضاً إلى هدف لوثر من كتابه : المسيح ولد يهودياً , وأنه يريد استيعاب اليهود وهدايتهم إلى النصرانية , وأما القول المنسوب إلى ” بعض الباحثين ” بأن لوثر كان من يهود المارانو , والإحالة إلى موسوعة اليهود واليهودية للمسيري , فيتضح أن المتهم للوثر باليهودية هي خصمه الكنيسة الكاثوليكية , وليس بعض الباحثين وليس صاحب هذه الموسوعة , فلماذا التلبيس على القراء ؟ , وأما الذين اتهموا لوثر بأنه من اليهود المارانو , فهم اليهود المتمسكون بيهوديتهم من الحاخامات الذين يرفضون يهودية هؤلاء المارانو , وهذا الكلام موجود في موسوعة المسيري المشار إليها , وموجود في كتاب المسيري : اليد الخفية , عن الحركات السرية اليهودية , ط الثانية 1422هـ – 2001م , دار الشروق , ص 81 – 95 , ومع ذلك لم يشر الباحث إلى هذه المعلومات ليؤكد فكرته حول يهودية لوثر و البروتستانت , وكان الواجب أن يذكر كافة المعلومات ويوازن بينها ويخرج بالنتيجة العلمية التي تقنع القارئ , وليته أشار في هذا الموضع إلى كتاب مارتن لوثر : اليهود وأكاذيبهم , الذي ألفه قبل وفاته بثلاث سنوات , وأظهر فيه موقفه الحقيقي من اليهود , وتعصبه لنصرانيته البروتستانتية , وأنه في تلطفه لليهود كان يرجو تنصرهم , ثم انقلب عدواً لهم مطالباً بقتلهم أو طردهم من أوروبا كلها , والكتاب منشور ومطبوع في مصر عام 2007 , دراسة وتعليق محمود النجيري , ونشر مكتبة النافذة , الطبعة الأولى , ولا شك أن قراءة هذا الكتاب ستنسف المفاهيم السابقة التي بنى عليها المؤلف أغلب آرائه في هذه المسألة , وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب ذكر الكتاب في موضع آخر , مما يدل على أنه قد اطلع عليه , سواءً من خلال المراجع التي أشار إليها , أو اطلع عليه اطلاعاً مباشراً , وهو الأقرب , لسهولة وصوله إليه , ولأنه في صميم بحثه هذا .
وفي ص 40 يؤكد أن لوثر ” افتتح الباب أمام نقد النصرانية بنفس يهودي ” , وفي الصفحة 50 يرى أن هؤلاء ” الإصلاحيين ” أنشئوا ” ديانة جديدة ثالثة تجمع بين اليهودية والنصرانية من الناحية الاعتقادية ” , ثم يجزم في نفس الصفحة, بأن أفكار البروتستانت ” يمكن عدها بكل تأكيد اختراقاً فكرياً يهودياً للنصرانية ” , وفي ص 51 ـ 52 يرى أن إصلاح لوثر ” كان إضفاءً لصبغة يهودية على النصرانية يتناقض كلياً مع أبرز أصول تلك الديانة ” , وأن ” حركة البروتستانت أعادت صوغ الديانة النصرانية في قالب يجمع شتات المسلمات اليهودية ليحلها محل العقيدة النصرانية , ويضفي عليها نكهة تلمودية ” , وأن المذهب البروتستانتي صار ” أقرب إلى نصرانية متهودة , أو يهودية متنصرة ” , وفي ص 56 يقول : ” ولعل ذلك يتضح من خلال تتبع حقيقة التغيير اليهودي الذي أحدثه مارتن لوثر في النصرانية الكاثوليكية ” , وفي ص 57 يتكلم الباحث , عن ” منظومة العقائد اليهودية المعوجة التي راحت ( تقوم ) اعوجاج عقائد الكاثوليك باسم البروتستانتية ” , وفي ص 60 يصف الباحث التحرر البروتستانتي , بأنه تحرر ” من الثوابت الموروثة إلى ثوابت أخرى ومقدسات أخرى , فلسفتها الاحتجاج والتفلت والتمرد على الطريقة اليهودية , أو قل الشيطانية . وقد جاء ذلك على خطوات أوصلت إلى اختراق النصرانية الكاثوليكية بمفاهيم يهودية أوجدت أفكاراً دينية جديدة هي ( البروتستانتية ) ” , ولما تكلم عن عقيدة الصلب ص 63 , رأى أن ” المذهب البروتستانتي ” أصبح ذا ” وجهة يهودية معادية للمسيح ” , وفي ص 68 , يرى ” أن مارتن لوثر الذي تحمس للعودة للتوراة المحرفة , ومن ثم تحمس لكل ما تدعو إليه من تعاليم وعقائد اخترعها اليهود أو بدلوا فيها , إنما كان يدعو في حقيقة الأمر إلى إحياء روح اليهودية بكل ما ألحقه بها الأحبار والرهبان ” , وفي ص 73 , يرى ” أن العقائد الدينية الغيبية التي دعا مارتن لوثر إلى العودة إلى أصولها , لم تكن قطعاً هي عقائد اليونان الوثنية ولكنها العقائد اليهودية التي عدها أصل النصرانية , والتي لأجلها قال : إن المسيح ولد يهودياً ” , وكرر الكلام ص 88 عن مارتن لوثر ” ذي الميول اليهودية المشبوهة ” , وعن ” تهويد الروح العام في الأجيال الجديدة منه ثقافياً وفكرياً وسلوكياً , وإن لم تتهود دينياً أو عقائدياً ” , وفي ص 89 , يتكلم عن ” النصارى المتهودين ( البروتستانت ) ” , ولما تكلم ص 96 عن ثورة الإصلاح البروتستانتي اللوثرية , ذكر أنها نقلت النصارى ” من لوثات الوثنية الثالوثية إلى خرافات اليهود التوراتية ” , وفي ص 115 , ترجح لدى الباحث ” أن الليبرالية بأنواعها بروتستانتية المنشأ , يهودية الهوى والهوية , ساكسونية النزعة والعقلية ” , وفي ص 176 يتكلم عن الرأسمالية , التي أطل ” رأسها السام من جحر الليبرالية اليهودية ” , وفي ص 192 يشير إلى الليبرالية , التي استعادت ” سمات روح البروتستانتية وصفاتها التي انبثقت عن اليهودية المحرفة ” , وفي هامش ص 200 , يرى أن الصهيونية المسيحية ” نشأت بتأثير الاختراق اليهودي للنصرانية ونشأة المذهب البروتستانتي ” , وفي ص 211 , يرى أن القيم الغربية ” نابعة من خلفيات يهودية ونصرانية محرفة ” , وفي ص 51 ـ 52 , أشار الباحث إلى جملة من العقائد والأفكار البروتستانتية , التي وصمها بأنها ( تلمودية ) , وأنها عقائد ” يهودية ” , وذكر منها ” عدم الوساطة في العبادة ” , وهذه ليست عقيدة تلمودية ولا يهودية بل هي عقيدة صحيحة . وفي ص56 أثناء الحديث عن ( مصدرية الفكر البروتستانتي ) , ومن ثم ( مرجعية الليبرالية ) , ذكر أن “هناك قرائن قوية على أن اليهودية الصريحة بعقائدها وروحها بعد التحريف كانت الحاضر الأكبر في الفكر البروتستانتي …” , وهذه كلها دعاوى كبيرة بلا أدلة , وفي ص59 قال الباحث : ” إن الإله في العقيدة الكاثوليكية النصرانية كان حالاً في المسيح بينما كان في العقيدة اليهودية حالاً في الشعب اليهودي ( المختار ) , فجاءت البروتستانتية اللوثرية لتحول النصرانية من الطابع الوثني اليوناني إلى الطابع العبراني مرة أخرى , ولكن ليكون ( البروتستانت ) هم الشعب المختار , بعد أن وضعت التوراة بمفاهيمها العبرية موضع المرجعية المركزية بدلاً من التفسير اللاهوتي المعقد للأناجيل” , والسؤال هو : أليس في ذلك عدة تقريرات علمية لا دليل عليها , من تحول عقيدة الحلول كما وصف الباحث , إلى تحول النصرانية إلى الطابع العبراني , إلى وضع التوراة بمفاهيمها العبرية موضع المرجعية المركزية … , وورد في الصفحة نفسها ” حيث أضفت البروتستانتية على النصرانية روحاً يهودية في التعامل المادي ..” , إلى آخر الكلام . ولإصراره على هذا التأثر البروتستانتي باليهود واليهودية , فقد وضع في بحثه عنوانين يؤكدان هذا التأثر , أحدهما عنوان رئيسي ص 51 تحت مسمى الاختراق اليهودي , والآخر عنوان فرعي ص 75 على هيئة السؤال التالي : أيهما الأكثر تأثيراً : الليبرالية اليهودية أم الفلسفة اليونانية ؟ , أي في نشأة البروتستانتية , وكرر السؤال بصيغة أخرى ص 88 ـ 89 : ماذا يعني القول : أن الليبرالية أصلها يهودي ؟ , وفي إجابة سؤاله الأول طرح احتمالين لأسباب نشأة البروتستانتية ورجح سبباً آخر , فقال : ” مع القول بوجود الاحتمالين : احتمال استمداد مارتن لوثر من الفلسفة اليونانية القديمة , واحتمال أخذه من النصرانية التوراتية قبل بولس , تبقى القرائن عاملاً فاصلاً في تعيين العامل الأشد تأثيراً على الفكر البروتستانتي , ومن ثم الليبرالي . والذي أراه أن القرائن التي تدعم القول بأن اليهودية المحرفة كان لها التأثير الأكبر , أكثر من القرائن المقابلة ” ص 75 , ثم عدد إحدى عشرة قرينة يرى أنها تؤيد رأيه , فبعضها تكرار لآرائه السابقة , وبعضها الآخر ضعيف في دلالته أو خطأ واضح , ففي القرينة الثالثة ص 76 , نراه يقدم دعوة مارتن لوثر ” لتقديس اللغة العبرية وتقديمها في العبادات بدلاً من اللاتينية ” كقرينة على ذلك , والمعلوم المشهور , أن لوثر والبروتستانت عامة دعوا إلى ترك اللاتينية في العبادات , ولكن ليس إلى العبرية كما يرى الباحث , بل إلى استعمال اللغات الشعبية السائدة ليس في العبادات فحسب , بل في قراءة وتفسير كتبهم المقدسة , وطبقوا هذا فعلاً بترجمة هذه الكتب إلى اللغات الأوربية المحلية , وفي القرينة الرابعة في نفس الصفحة , يرى أن لوثر ” عد الخروج عن النصرانية ذات المرجعية التوراتية ردة عن النصرانية الحقيقية وكفراً بها , لا مجرد مخالفة مذهبية محتملة ” , وأن ذلك سبب الحروب الطاحنة بين النصارى في أوربا , ولا تعنينا هنا هذه الحروب , ولكن الذي يعنينا ويجب أن يعنيه هو : ما وجه خطأ لوثر والبروتستانت في هذه القضية ؟ , هم لم يقولوا هنا بأكثر من وجوب الرجوع إلى المصادر الأولى للنصرانية التي أقرها المسيح عليه السلام , وأخبر أنه لم يأت لنقض التوراة بل لتخفيف الأغلال والآصار التي قيد اليهود بها أنفسهم , وقد أشار الباحث إلى ذلك في ص 68 ـ 69 , عندما قال : ” اعتماد النصرانية القديمة على التوراة لكونها أصلاً قبل إلغاء بولس العمل بها في مذهبه , جعل تلك النصرانية القديمة تقارب اليهودية في أكثر العقائد والعبادات …… وقد كان تقديم التوراة في النصرانية القديمة ناشئاً عن قناعة نصرانية بهذا في ذلك الوقت , مردها إلى قول المسيح نفسه ـ كما يروون عنه ـ : ” لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء , ما جئت لأنقض , بل لأكمل ” ( متّى / 17 ) ” , وفي القرينة السادسة ص 76 , يتكلم عن ” تعظيم العقيدة البروتستانتية لكل ما يعظمه اليهود , وتبنيها لكل ما تدعو إليه التوراة من عقائد تتعلق بالشعب المختار ” , وكلمة كل هنا لا مكان لها لا في الأولى ولا في الثانية , وهكذا في كل القرائن التي أوردها الباحث لا نجد حجة واضحة يعتمد عليها لإثبات ما ذهب إليه . ثم يصل إلى النتيجة التالية : ” وبرصد أوجه الاختلاف بين الأصول الفلسفية للقضايا المتشابهة بين الأفكار اليونانية القديمة والأفكار اليهودية المحرفة , يمكن الوصول إلى نتيجة مؤداها : أن مارتن لوثر وإن أخذ ببعض الأفكار اليونانية القديمة , فإن ذلك من قبيل التشابه في شكل الفكرة وليس في الأصل الذي تستند إليه ” , ولا يعنينا التشابه بين الفكر اليوناني القديم والفكر اليهودي المحرف , فهذا ليس غريباً ” تشابهت قلوبهم ” , ولكن ليس هكذا تثبت القضايا وتصدر الأحكام القاطعة بلا دليل وفي بحث علمي محكم , وانظر إلى استخدام البلاغة اللفظية في إثبات المسائل واختزال الأدلة بطريقة لا تدل على منهج علمي محكم دقيق , وذلك عندما يختم هذا الفصل الطويل في بحث هذه القضايا الكبيرة بهذه الأسطر العجيبة ص 78 : ” إن الإنسان ( الرشيد ) في المنظومة اللوثرية , هو ” المحتج ” على الكاثوليكية الملوثة بعقائد اليونان والرومان الوثنية , فيكون بذلك ( بروتستانتياً ) , أو هو الذي ” يتطهر ” منها فيكون ( بيوريتانياً ) , أو ” يتحرر” منها فيكون ( ليبرالياً ) ! فكيف يقال بعد هذا : إن الليبرالية أصولها هي الفلسفة اليونانية ؟ ” , فهل هناك علاقة بين السؤال الأخير والقضايا التي سبقته ؟ , وهل نفي الأصول اليونانية لليبرالية يتم بهذه الطريقة ؟ , إني أطرح هذه التساؤلات , وأنا وغيري نعلم وبلا تردد , أن أعظم المؤثرات في الفكر الليبرالي هي الفلسفة والحياة اليونانية , والفلسفة والحياة الرومانية شكلاً وموضوعاً , وأعلم أن مجال السؤال الذي طرحه الباحث وأجاب عليه في هذه القرائن التي ذكرها , ليس تأثر الليبرالية بالفلسفة اليونانية , بل حول تأثر البروتستانتية باليهودية المحرفة أو بالفلسفة اليونانية , أما الليبرالية فلا أحد يجادل في تأثرها بالفلسفة والحياة اليونانية , والفلسفة والحياة الرومانية وريثة الحضارة اليونانية , والباحث نفسه أشار إلى هذا التأثر في أكثر من موضع من بحثه هذا , فهو صرح في ص 73 , بأن ” فلاسفة التنوير المشبعون بأفكار أرسطو وأبيقور وغيرهما من فلاسفة اليونان ” , جاءوا ” ليحدثوا عملية فصل بين ما هو عقائدي غيبي وبين ما هو دنيوي مادي , وهنا غلبت روح الفلسفة اليونانية في الأمور الحياتية ” , وإذا لم يكن هذا الذي ذكره تأثراً فما هو التأثر ؟ , وكيف يثبت تشبع فلاسفة التنوير المتقدمين بأفكار أرسطو وأبيقور وغيرهما من فلاسفة اليونان , وينفى ذلك عن لوثر وكالفن مع تقارب الزمن بينهم إلى درجة المعاصرة ؟ , وكيف يجمع الباحث في محاولة نفي هذا التأثر بين إنكار ” شيوع الفلسفة في أوروبا في العصور الوسطى حتى يقال : إن البروتستانتية أخذت منها ” , وبين القول بعد ذلك مباشرة ” وإنما دخلت هذه الفلسفة إلى أوروبا مع حركة الترجمة العربية [ لعلها : من العربية ] التي نقلها الأوربيون عن علماء العرب والمسلمين , فيما يعرف بعصر الترجمة , حيث نقلت تلك الفلسفات من اللغة اللاتينية إلى اللغة العربية , ثم نقلت من العربية إلى اللغات الأوروبية ” ص 72 ـ 73 , ولم يشر الباحث إلى تاريخ الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية , لنعرف تاريخ انتقال الأفكار الفلسفية الرشدية اليونانية إلى أوروبا , وأنها تمت في وقت مبكر جداً يسبق مارتن لوثر بما لا يقل عن مائتي سنة , فكيف ينفى ” شيوع الفلسفة في أوروبا في العصور الوسطى ” بهذا التسرع وعدم التدقيق ؟ , ثم أن النقل الأول إلى العربية لم يكن من اللاتينية , وإنما كان من الإغريقية أو السريانية ولم تكن اللاتينية قد وجدت آنذاك , والنقل الثاني من العربية لم يكن إلى اللغات الأوروبية , بل كان في ذلك الزمن المبكر إلى اللاتينية التي كانت هي لغة العلم السائدة في أوروبا ذلك الوقت , وهو يؤكد ص71 , على أنه ” لا ينكر أن هناك تأثيراً يونانياً في الأفكار البروتستانتية , بحكم تلوث البيئة والذهنية الأوروبية كلها بذلك الفكر الفلسفي القديم , على الرغم من تناقض فلاسفته ” , ويرى في نفس الصفحة أن ثورة مارتن لوثر ” كان من ضمن ما تأثرت به النظرة الفلسفية الأفلاطونية للإنسان , في ضرورة تحرره من أي سلطان خارجي ” , إذاً ما الذي ينفيه الباحث في هذا الأمر ما دام يثبت أصل التأثر ؟ , إنه ينفي أن تكون ” الفلسفة اليونانية هي وحدها صانعة الثقافة البروتستانتية ” , ص 71 , وهذا لم يقل به أحد حتى يجهد الباحث نفسه في نفي ذلك كما فعل بعد هذه الجملة , ويثبت ” تأثر مارتن لوثر بفلسفات اليونان كونها أحد روافد أفكاره الاحتجاجية ” , ولكنه يرى أن هذه الفلسفة لم تكن ” أساس أفكاره ” ص 73 , وهذا القول أيضاً لم يقل به أحد , وهو يعترض ص 69 , على ” القول أن مارتن لوثر استمد الأفكار البروتستانتية من الفلسفة اليونانية القديمة فحسب ” , ويرى أن ذلك القول ” خطأ كبير ” , ولم يقل أحد بذلك , بل هو الذي جزم بانعدام تأثر البروتستانتية بالفلسفة اليونانية كما ذكرنا قبل قليل , ثم عاد وأقر بهذا التأثر بصرف النظر عن درجته وهو أمر ليس مهماً , ورأينا كيف جعل هذا التأثر مجرد احتمال , ثم أقر به , ثم رجح من خلال القرائن نفيه , فكيف يتأتى هذا في بحث علمي محكم , وفي صفحات قليلة لا تتعدى العشر صفحات , ص 68 ـ 78 من البحث ؟ , ولا يعنينا كثيراً هذا التأثر ودرجته فالكفر ملة واحدة , ولكن الذي يعنينا هو الالتزام الدقيق بأصول البحث العلمي , وطرق النفي والإثبات , لا سيما من باحث ينتمي إلى منهج أهل السنة والجماعة , يعرض كتابه وبحثه هذا على كافة القراء من شتى الاتجاهات , وفيهم الذين يطعنون في الفكر الإسلامي والمناهج الإسلامية بسبب وبلا سبب .
23) بعد هذه الجولة مع الباحث حول دور اليهود في نشأة البروتستانتية , فإنه رتب على هذا الدور أن البروتستانت غيروا الثوابت النصرانية الكاثوليكية , وذكر من ضمن هذه الثوابت عدة قضايا رأى أنها غيرت , وبالتأمل يتضح خلاف ذلك كما سيأتي : –
أ‌) في ص 60 – 61 , يقول الباحث : ” إن عقيدة وجود الرب الواحد … إلى قوله : ليست لها آلهة ” , ويرى في هذه الفقرة أن البروتستانت غيروا عقيدة التثليث لدى الكاثوليك وعموم النصارى إلى نوع من التوحيد , ثم خرجوا به إلى الشرك العام فهل هذا صحيح ؟ , أولاً لم يحل الباحث إلى أي مصدر يمكن الرجوع إليه , ثم إن المصادر المتوفرة تذكر خلاف ذلك , وأنهم لا زالوا يؤمنون بالأب والابن والروح القدس .
ب‌) ذكر الباحث ص 61 – 62 , عقيدة الخطيئة المتوارثة لدى الكاثوليك , وذكر ما يرى أنه رأي البروتستانت في هذه المسألة ورفضهم لها , وقد حاول الباحث أن يعيب هذا الرفض بما لا يعاب , أو يعاب ولكنه أقرب إلى الحق من رأي الكاثوليك , ولماذا البحث في كل قضية للبروتستانت عن وجه للخطأ ؟ , وما الحاجة إلى ذلك ؟ , ولماذا لا يؤيدون على رفضهم للخطأ واقترابهم من الصواب؟ , ثم ما علاقة اليهود بذلك؟ , هل لأنهم يرون – وهم على صواب – أنه لا وجود للخطيئة الأصلية لتي يقول بها النصارى ؟ , وربط هنا بين رأي البروتستانت في رفضهم للخطيئة المتوارثة , وبين أكل آدم من الشجرة وخروجه من الجنة , وأن هذا لا يعد خطأً لدى البروتستانت , لأنه اختار الحرية والمعرفة على الجنة , وكرر ذلك ص 81 بشكل أكثر تفصيلاً , وزعم أن منع آدم من الأكل من شجرة المعرفة كما وردت في التوراة , ليس لأن ذلك يضره ” ولكن لأن ذلك قد يؤدي إلى التساوي بينه وبين الإله في المعرفة ” , وربط ذلك بتقديس الحرية لدى الليبراليين , ومن المعروف أن فكرة سرقة نار المعرفة للتساوي مع الإله أو منازعته , أساسها الأسطورة اليونانية ( بروميثيوس ) سارق النار , ولا علاقة لها بالفكر البروتستانتي المبكّر , ولعل هذا يؤكد قوة الآثار اليونانية في الفكر الليبرالي , وهو ما أصبح أكثر وضوحاً في المبادئ الليبرالية في الأزمنة المتأخرة , ثم أيهم أقرب إلى الحق في هذه القضية ؟ , أليسوا البروتستانت إن كانوا يقولون بذلك ؟ , والواضح أنهم لا زالوا يؤمنون بالخطيئة والفداء , وهذا موجود في كل المصادر المعتمدة لديهم , بل إن الباحث الذي نفى عنهم الإيمان بالخطيئة الأصلية , عاد وأثبتها لهم ص 82 من البحث , عندما قال : ” وهذا المبدأ يعكس – كما سبق البيان – معتقد البروتستانت في أن الإنسان الأول ( آدم ) لم يكن مخطئاً في اختياره الأكل من الشجرة معملاً عقله ومقدماً إياه على الأمر الإلهي , وحتى لو كان مخطئاً ومحملاً الخطيئة لذريته , فإن المسيح أو ( ابن الرب ) ـ كما يزعمون ـ سيحمل عنهم هذه الخطيئة فلا يحاسبون عليها ” , ومادامت عقيدة الخطيئة والفداء والخلاص موجودة لدى جميع النصارى كما هو واضح , فلماذا نشأت فكرة التحرر عند البروتستانت ـ كما يرى الباحث ـ ولم تنشأ لدى النصارى الآخرين ؟ .
ت‌) في ص63 , ذكر الباحث ما ترتب على إلغاء اعتقاد الكاثوليك حول الخطيئة , من شعور البروتستانت بالتحرر من البابا والكنيسة ورجال الدين , وأن ذلك انعكس على أفكارهم بالحرية والتحرر من أية سيطرة دينية , مما ساهم في نشوء الليبرالية وأفكارها المتحررة من كل قيد , فأين الخطأ في ذلك بالنسبة لهم في ظروفهم وهروبهم من سيطرة الكنيسة ؟ , هذه هي ردة الفعل الطبيعية لدى من كان في مثل أحوالهم , ولا ينبغي أن يوجه إليهم أي لوم , بل أن لومهم في ذلك فيه كثير من التكلف والإلزام بما لا يلزم , لأنهم ليسوا مسلمين فنلزمهم بفهمنا , وسنرى في فقرة قادمة أن البروتستانت لا علاقة لهم بالليبرالية .
ث‌) في ص63 – 64 , كرر الباحث نفس التكلف واللوم على البروتستانت في رفضهم عقيدة الصلب والفداء لدى الكاثوليك , بزعم أنهم استبدلوا بها عقيدة الخلاص الدنيوي الذي سيقوم به المسيح , فأما مسألة الزعامة والقيادة للمسيح وأثره في النصارى , فعلينا أن نتذكر الحرب الصليبية واستغلال اسم المسيح فيها , وهي كاثوليكية أولاً وأخيراً وليس للبروتستانت بها أية علاقة , لأنهم لم يكونوا موجودين إذ ذاك , وهل المسيح ( الكاثوليكي ) في نظر الباحث كان رمزاً ( للزهـد والوداعة والفداء ) , لأن ” المسيح ( البروتستانتي ) ليس رمزاً للزهد والوداعة والفداء , بقدر ما هو رمز للقوة والزعامة والبطش بالأعداء ” , ومن الغريب أن الباحث يرتب على هذا التكلف ” أن الفكر الليبرالي استفاد من هذا المعتقد البروتستانتي ( المسيح المخلّص الدنيوي ) كثيراً واستقى منه الولوع بالقوة وتمجيدها ” , والذي يعرفه الباحث أن الولوع بالقوة , أولاً هو جزء من طبيعة الإنسان , ثم إنه إرث غربي قديم من عهد اليونان والرومان , عززته النصرانية الكاثوليكية قبل البروتستانتية بقرون كثيرة . وبعد ذلك هل ترك البروتستانت عقيدة الصلب والفداء المترتبة على عقيدة الخطيئة ؟ , يتضح بالرجوع إلى مصادرهم المعتمدة أنهم مازالوا يؤمنون بها , وقد نسبها الباحث إليهم كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
ج‌) في ص 62 – 63 , تكلم عن عقيدة ” الوساطة بين الخالق والمخلوق ” , المرتبطة بالخطيئة الأصلية لدى الكاثوليك والأرثوذكس , وأن البروتستانت ألغوا هذه العقيدة انطلاقاً من مبدأ الرشد الإنساني المستمد من اليهود , ” فلا حاجة إلى وساطة الكنيسة بينهم وبين الله , ولا حاجة أصلاً لمنصب ( البابا ) الذي لا يعرف الناس رشدهم إلا به ” , وكان قد قال ص 50 : ” ولأجل استمرار التمرد والاحتجاج , صمم البروتستانت على أن يكونوا بلا كنيسة , وبلا بابا , وبلا كهنوت ” , فهل هذا على إطلاقه ؟ , هل هم بلا كنيسة ؟ , وهل هم بلا كهنوت ؟ , بالتأكيد : لا , فلهم كنيسة ولهم كهنوت ولهم رتب دينية معروفة , نعم هم ألغوا البابوية لأنهم خصومها في الأساس , ولكنهم لم يلغوا الكنيسة ولا رأس الكنيسة , ولا يمكن ذلك , فلكل فرقة منهم – وما أكثر فرقهم – رأسها وكنيستها , وهل ألغوا مبدأ الوساطة كما أشار الباحث ؟ , لا , فما زال مبدأ الاعتراف لدى القسس وما يترتب عليه من الغفران سائداً لديهم .
ح‌) وفي ص 64 – 65 , يرى الباحث أن الفكر البروتستانتي أطاح بعقيدة البعث بعد الموت , واستبدلها ” تبعاً لليهود ” , بإنكار عقيدة البعث , وهذا غير صحيح لا أصلاً ولا تفريعاً , ولم يورد الباحث أي نقل أو إحالة على إنكار البروتستانت للبعث , وإنما اعتمد على رفض البروتستانت ” أن يكون لتلامذة المسيح [حسب الاعتقاد الكاثوليكي ] أي سلطة في الحساب أو قدرة على العقاب ” , فهل هذا الدليل يكفي للحكم عليهم بإنكار البعث ؟ , أليس رأيهم هنا صائباً ؟ , وأما كون ضمور عقيدة الإيمان بالبعث ظاهرة لدى اليهود , فليس هذا لدى الجميع , بل هي لدى اليهود الصدوقيين كما أشار الباحث ص 64 في الهامش , وليس لدى كافة اليهود , أما ضعف أثر عقيدة الإيمان بالبعث لدى اليهود والنصارى البروتستانت , فليس خاصاً بهم , بل هو موجود لدى الكاثوليك وبقية الفرق النصرانية , بل ولدى كثير من المسلمين , خاصة غلاة المرجئة , وقد أشار الباحث إلى ذلك ص 65 , وإن كان يحاول حصر مفهوم ” أن الأعمال الصالحة ليست شرطاً في الإيمان , وأن الإنسان مهما أساء فإن إيمانه ( المسيحي ) يكفي لسعادته ” بالبروتستانت , وهذا غير صحيح , فهذا المفهوم موجود لدى الكاثوليك والأرثوذكس وغلاة المرجئة من المسلمين , ولا زال البروتستانت يؤمنون بالاعتراف لدى القسس وغفران الذنوب بهذا الاعتراف , كما يؤمن الكاثوليك والأرثوذكس بذلك تماماً , ولا أدري من أين استقى الباحث معلوماته تلك ؟ , أما أن الليبرالية استفادت من هذه العقيدة البروتستانتية فغير صحيح , لأن الليبرالية في الأساس قائمة على أساس العداء مع الدين , فليست بحاجة إلى أن تستمد هذه الفكرة من البروتستانت , أما أن هذه الفكرة ” إنكار البعث ” لدى البروتستانت أو اليهود كانت ” سبباً واضحاً في السعار الدنيوي” فهذا بعيد , لأن السعار الدنيوي موجود قبل الليبرالية وبعدها وأثناءها , وموجود حتى لدى المسلمين , وأرجو من الباحث أن يتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لو كان لابن آدم وادياً من ذهب …. ولن يملأ فاه إلا التراب ” . و في ص65 – 66 أشار الباحث إلى أن جمع البروتستانت بين العهدين القديم والجديد ( التوراة والإنجيل ) , جعلهم في نظر أنفسهم ” مقدسين ” في الدنيا , وأن هذا أعطاهم حرية إعمال الفكر في الكتاب المقدس … إلى آخر الكلام , وربط ذلك بأن الليبراليين استفادوا من هذه ” النظرة التوظيفية الدنيوية للقداسة ..” , فالتكلف واضح , والربط غير مفهوم بين الأمرين , وأشار إلى استغناء البروتستانت عن البابا والكنيسة لأنهم ” مختارون من الرب ” , والمشكلة أنه أشار في نفس الصفحة إلى أن الكاثوليك يرون أنهم ” الشعب المختار الجديد ” , فلماذا لم يترتب على هذا الاختيار نفس النتائج التي ترتبت على اختيار البروتستانت ؟ , ومفهوم كلامه حول إيمان البروتستانت بالعهدين القديم والجديد والجمع بينهما , يوهم أن الكاثوليك لا يؤمنون بالتوراة , وهذا غير دقيق من ناحية , ومن ناحية أخرى فالباحث نفسه , يثبت إيمان ” النصارى جميعاً ” بالتوراة ص 81 .
خ‌) في ص 66 – 67 , استنتج الباحث من جمع البروتستانت بين العهد القديم والعهد الجديد التوراة والإنجيل , تقديسهم للتاريخ اليهودي , وجعل اليهود ” محور التاريخ الإنساني ” , وأنهم ” جعلوا العهد القديم والعهد الجديد عهداً واحداً لأجلهما وكتاباً واحداً في حبهما ” , ” لأن ( المسيح ولد يهودياً ) كما قال رائدهم مارتن لوثر . ولهذا فإن ( المسيحي الحق ) في التعديل البروتستانتي للنصرانية , هو الشخص الذي يعمل من أجل تمكين اليهود في الأرض المقدسة , إما لاستحقاقهم للمحبة , أو لأن محبة المسيح تستوجب العمل على تقويتهم وتمكينهم ولو كانوا غير مستحقين للمحبة , لأن المسيح لن يأتي إلا عن طريقهم عندما تنشأ دولتهم التي ستكون علامة مباشرة على قرب مجيئه ” , والمتأمل في آرائهم حول هذه القضية , يرى أن مسألة المحبة غير واردة , وأنهم يرون أن السعي لإقامة دولة اليهود في فلسطين , إنما يصب في مصلحتهم ومستقبلهم الألفي الذي أشار إليه الباحث نفسه في بحثه هذا ص 65 , وفي كتاب مستقل أشار إليه الباحث في هامش نفس الصفحة , وأشار إليه بوضوح في هامش ص 193 , وحرره الباحث تحريراً ممتازاً ص 199 – 200 , أما لوثر فقد أشار الباحث إلى أنه ” انقلب على اليهود , وألف كتاباً سماه ( أكاذيب اليهود ) ” ص 54 , ولكنه لم يشر إلى ما جاء في هذا الكتاب من شتم لليهود ودعوة لإبادتهم أو طردهم , مما ينفي قضية المحبة أساساً , والمؤسف أن مضمون هذا الكتاب موجود في المراجع التي أحال إليها الباحث , ولكنه تجاهل ذلك كله , لأن نقله بتفاصيله ينقض دعوى الصلة والمحبة والتأثر والانتماء إلى يهود المارانو , التي كرر الإشارة إليها كثيراً في بحثه بدون دليل .
د‌) وهكذا في سبع عقائد أوردها الباحث , ورأى أن الإصلاح البروتستانتي [ اليهودي ] ـ في رأيه ـ قد غيرها , لا نجد إلا تغيير عقيدة لعن اليهود لسبب أشرنا إليه قبل قليل , وهو محاولة لوثر والبروتستانت اجتذاب اليهود إلى النصرانية .
ذ‌) في ص67 أوضح الباحث عمق الرابط بين الليبراليين واليهود , حيث ” يكاد الفكر الصهيوني يصبغهم جميعاً ولو كانوا نصارى” , وهذه مبالغة واضحة لا دليل عليها , ولو تكلم عن التعاطف مع اليهود من هؤلاء لكان كلامه صحيحاً , أما الحديث عن الصبغة الفكرية الصهيونية لهؤلاء فهو ليس دقيقاً , وكان عليه أن يوضح السبب الأساسي لهذا التعاطف , وهو كره الإسلام والمسلمين من هؤلاء جميعاً بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس ومتدينين وعلمانيين , ولا يكفي تعليل الباحث لهذا التعاطف مع اليهود بقوله : ” ولعل هذا جاء تأثراً بمواقف الليبراليين الأوائل ” , فهو تعليل ضعيف وبعيد جداً , ثم ضرب الباحث أمثلة لهذا ” الاصطباغ ” بـ (جان جول) و (جان جاك روسو) و (نابليون) و( إسحاق نيوتن ) , واستشهد بكلامهم حول اليهود وقيام دولتهم في فلسطين كدليل على رأيه , والغريب أن الثلاثة الأول ممن ذكرهم هنا , هم من الكاثوليك أساساً , وليسوا من البروتستانت الذين أصر الباحث على ربطهم باليهود .
ر‌) وبعد هذه الجولة الطويلة , التي حاول الباحث فيها إثبات علاقة البروتستانت باليهود ولم يوفق في ذلك , فإذا هو يثبت العداء الشديد بين الفريقين , وأن ما يجمعهما هو المصلحة فقط , وذلك عندما يقول ص 199 – 200 : ” ( المسيحيون الصهيونيون ) جيل جديد من ” الضالين ” الذين جمعهم العمى ” بالمغضوب عليهم ” حتى صنع منهم ” أولياء ” في الظاهر , على الرغم من شدة العداء في الباطن . هذه حقيقة من حقائق الخلفيات التي يغفل عنها الكثيرون , فليس كل ما بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية وئاماً وانسجاماً , وإنما يجمع الفريقين الهيام والغرام فقط عند تحصيل المنفعة وتحقيق المصلحة من أي طريق وبأي ثمن , دون اعتبار لأي قيم , وهذا هو جوهر الفكرة الليبرالية التي اشترك الفريقان في الإرث الانحرافي والخرافي المنشئ لها . أما بعد ذلك , فإن العداوة الباطنة بينهم أعمق بكثير من العلاقات التعاونية الظاهرة ” , وهذا الكلام الدقيق , ينقض جميع الآراء التي أجهد الباحث نفسه لإثباتها على امتداد البحث , ثم إذا سلمنا جدلاً بيهودية البروتستانت , وما يترتب عليها من يهودية الليبرالية , كما أصر الباحث وأدار مجمل بحثه لإثبات ذلك , فلماذا لا نؤكد يهودية الكاثوليك والأرثوذكس وغيرهم من الفرق النصرانية المنحرفة , الذين أسس مذهبهم كما هو معروف بولس – شاؤول اليهودي ؟ , وقد ذكر الباحث ذلك في هامش ص 41 , ونرتب جميع ما رتبه الباحث على القول بيهودية البروتستانتية والليبرالية , فلا فرق بين الأمرين , ولا أنسى هنا أن أذكر الباحث والقراء , بأن نسبة كل هذه الأمور إلى اليهود يعطيهم بعداً أسطورياً وقدرة على ما لا يقدر عليه غيرهم , وإذا ثبت ما ينسبه لهم الكاتب فهم – شئنا أم أبينا – عباقرة يستحقون ما أنجزوه , ويستحقون منا الاعتراف لهم بهذه القدرات , ووجوب البحث العميق في فشلنا في أن نحقق ما حققوه وأن ننجز ما أنجزوه , مع أننا الأمة التي تحمل الرسالة الخالدة الصحيحة , رسالة الإسلام , وعددنا لا يقارن بعددهم , وإمكاناتنا لا تقارن بإمكاناتهم , وباختصار لا ينبغي للباحث والمفكر المسلم , أن يساهم في ” تغويل ” اليهود والرفع من شأنهم , ومن المهم للباحث والمفكر المسلم , عدم تضخيم فكرة المؤامرة , ليس لأنها غير موجودة , بل لأنها أمر طبيعي ومتوقع من الأعداء , والحديث عنها بشكل مبالغ فيه يدعو إلى اليأس والإحباط في صفوف الأمة .
24) أشار الباحث ص79 أثناء حديثه عن ثوابت الليبرالية , إلى رأيهم في الرب جلّ وعلا , وأنه ” لا يشرف بنفسه على أحوال البشر , بل يفوّض المسيح بالحساب والعقاب والروح القدس بالوحي والتشريع” , فأولاً أنه لم يذكر وجهاً لهذا القول ودقة نسبته لليبراليين , وثانياً فهذه الفكرة حول الرب هي أفكار الفلاسفة أرسطو وغيره , من أن الرب خلق الخلق ولم يعد يتدخل في شؤونهم , أو أن الخلق والتدبير هو للعقل الفعّال , أو لبعض الكواكب في رأي بعضهم , وهذا يؤكد التأثر الواضح والقوي لليبراليين بالفلسفة اليونانية , على خلاف رأي الباحث الذي ينفي ذلك , أو يرى أن أثر الفلسفة اليونانية لا يكاد يذكر , والعجب من الباحث حيث يذكر الرأي السابق حول النظرة الليبرالية للخالق , ثم يرى ” أن هذا المبدأ له نظير مقارب في معتقدات اليونان الوثنيين القديمة مع فارق عدم إيمانهم بالوحي أصلاً ” , فهل الليبراليون يؤمنون بالوحي ؟ , وهو يصر على ربط الليبرالية بالبروتستانتية ومن ثم باليهودية , ففي ص81 – 82 علّق على مبادئ الليبرالية بأنها بدأت دينية , ثم قام الليبراليون بنزع صفة القداسة عنها , وهذا بعيد وسبق الكلام عن الأصول الحقيقية لليبرالية , وأنها في الأساس معادية للدين , وهذه المبادئ الخمسة التي ذكرها الباحث لا علاقة لها بالدين , ولا تحتاج إلى نزع القداسة عنها , ويكفي أن نذكر المبدأ الخامس والثالث لنتأكد من ذلك : ” الحياة الدنيا هي آخر مطاف الفرد الإنساني والجماعة الإنسانية … ” , ” الإنسان حر في اعتقاداته وتصرفاته الفردية , سلوكية كانت أو اقتصادية أو فكرية … ” , ومع ذلك يقول الباحث تعليقاً على هذه المبادئ : ” ولكن مع تطور هذا الفكر , بدأ فلاسفة التنوير ينزعون الصفة الدينية شيئاً فشيئاً عن تلك الأصول , مبقين على أثرها المتعلق بالشأن الدنيوي , وكانت هذه هي الخلفية التي نشأ منها الفكر العلماني الأوربي بوجه عام ” , ويصر على يهودية وبروتستانتية المبادئ الليبرالية , وأنها أخذت ” صورتها الأخيرة داخل منظومة الفكر الليبرالي , بعد نزع الظلال الدينية منها ” ص 73 – 74 , وكل هذا التكلف والاعتساف ليثبت الأصل الديني لليبرالية مخالفاً بذلك أبسط أصول البحث العلمي . ويصر على هذا الربط البعيد لليبرالية بالأصل الديني ص 83 بالقول , أن الليبراليين ” نزعوا الكثير من القداسة الدينية عن تلك المفاهيم ” , و ” أضافوا عليها قداسة من نوع آخر , هي القداسة الدنيوية الممجدة للعقل البشري وللحرية الإنسانية في المقام الأول ” , ” على الرغم من أن خلفيات هذه المبادئ تنبعث من عقيدة دينية محرفة ” , وكان قد أشار في ص 65 , إلى أن ” الفكر الليبرالي منبعث من نفس اليهود ونفثهم ” , ويصر على الأصول الدينية البروتستانتية لليبرالية ص 49 و ص 55 , وأن هذا هو قول ” غالبية الباحثين والمفكرين المذكورين ” , ولا ندري في أي مكان ذكروا , ولا من هم , ثم يرى ص 68 , أن هذا القول ” متفق عليه بين الباحثين ” , فتذهب الأكثرية والغالبية ويصبح الأمر إجماعاً , ويصر على ذلك ولكنه يتناقض , عندما يذكر ص 79 ” أن انتماء الأفكار والعقائد البروتستانتية إلى الدين لا يعني خلوها من الإلحاد والانحراف وتقديس الهوى , كذلك فإن اشتهار الأفكار الليبرالية بالتحرر من كل القيود لا يعني أنها بعيدة عن بعض المبادئ التي تنبعث من خلفيات دينية محرفة ” , وهذا جمع بين المتناقضات فالمهم لدى الباحث هو الجمع بين الليبرالية والبروتستانتية واليهودية مهما كان ذلك متكلفاً , ويؤكد هذه النظرة والجمع بين المتناقضات , عندما يقول ص 251 – 252 : ” وليس هذا بمستغرب من ثقافة تعب من أساطير اليونان الوثنية وخرافات الفرق النصرانية , وترهات التصورات اليهودية التوراتية التي استخلصت من أسوئها مبادئ الليبرالية بعد عزلها وفصلها عن خلفياتها التاريخية . إنها ثقافة لا دينية , لكنها ليست بعيدة عن آثار الخرافة في الأديان المحرفة ” , ويشعر بصعوبة الجمع بين الليبرالية والبروتستانتية , ومع ذلك يصر على ” أن النسق الاعتقادي والتأصيل الفكري في المذهب البروتستانتي هو الذي ولد , أو ولّد الفكر الليبرالي , مع ما قد يبدو من تناقض بين أهداف المنظومتين اللتين تعد إحداهما دينية والأخرى لا دينية ” ص 60 , بل إنه في المقدمة ص 8 , يؤكد أن الانحراف النصراني الكاثوليكي تولد عنه حركة الاحتجاج البروتستانتي , ” والتي كان لها الدور الأساس بعد ذلك في نشأة المنظومة الفكرية المسماة ( بالليبرالية ) ” , وبعد هذا الكلام بسطرين اثنين نجد أن الباحث يحذر من هذه الليبرالية , ” من حيث أنها مجموعة من الأفكار التي تستهدف أساسات العقائد والشرائع والقيم التي قامت عليها الأديان كلها , لتحل محلها أهواء مرسلة بلا زمام ولا خطام , تنتهي إلى أن يتحول الهوى إلى معبود وحيد يطاع بلا نزاع ” , ويصر ص 88 على ” ترجيح رجوع الليبرالية إلى أصول يهودية ” , وليؤكد هذا الترابط بين الليبرالية واليهودية والبروتستانتية , نجده يصر على أن ثورة الإصلاح الديني اللوثرية ” لم تخرج بالنصارى الكاثوليك عن وصف الضلال , حيث نقلتهم من لوثات الوثنية الثالوثية إلى خرافات اليهود التوراتية , ليصلوا بعد ذلك إلى غيابة الليبرالية الإلحادية وغياهبها ” ص 96 , وهذا صحيح في شقه الأول , أما الإلحاد والليبرالية فشيء آخر له أسبابه التي أشار إليها الباحثون وملئوا بها أعداداً كبيرة جداً من الكتب , وكان على الباحث أن يدرك أن الدين مهما كان انحرافه لا يلتقي مع الإلحاد , ويؤكد اتجاهه هذا عندما يربط ص 123 بين نظرة الليبراليين المتقدمين مثل جون لوك وهوبز وروسو إلى المرأة ومنعها من التملك , والنزعة ” اليهودية الأصل المعادية للمرأة ” , وينسى أن هؤلاء الليبراليين يطورون مواقفهم من زمن إلى زمن آخر , ولا علاقة لموقفهم هذا بالنزعة اليهودية , وينسى ما كتبه ص 120 – 133 عن تطرف الليبرالية النسوية المتأخرة في مواقفها من المساواة بين الرجال والنساء , وهو يدل بمجموعه على التغيير والتبديل الكبير لآراء الليبراليين في الزمن المتقارب فكيف بالأزمنة المتباعدة , وإذا تتبعت رأي الباحث حول العلمانية والليبرالية في بحثه هذا ومدى بعدهما عن الدين , أدركت أن الباحث ينقض نفسه وآراءه حول علاقة الليبرالية باليهودية والبروتستانتية , فهو يقول ص 9 : ” مع الإصرار على عزل الدين كلية عن العملية السياسية والتشريعية ” , ويقول ص 10 – 11 : ” لقد فرغ هؤلاء من تبديل دينهم وتغييره ثم تغييبه , وهم إذ يرجعون اليوم إلى بعض مبادئه المحرفة فلأجل دنياهم ” , ويرى ص 11 , أن الفكر الليبرالي يطالب الإنسان ” بالتحرر من أي مبدأ في الأرض أو وحي من السماء ” , وأن الليبرالية بنيت على دعامتين : ” استغلال أحط ما في الإنسان بمعزل عن الأديان , وتوظيف إفساد الإنسان للأديان ” , وختم تعريف الليبرالية ص37 , بوصف المفكر ( مارنيت ) لها ولوظيفتها , ” والأساس الذي تقوم عليه بأنه : ( تثبيت الحق الطبيعي في مواجهة الحق الإلهي ) . يعني : الدين الوضعي بدل الدين الإلهي ” , ثم قال : ” فالليبرالية إذاً ـ من خلال ما سبق ـ هي مجموعة من الأفكار الإلحادية التي تعكس رؤية ذات أبعاد اعتقادية في تفسير الوجود ووظيفة الحياة ودور الإنسان فيها , فهي شريعة أهواء متقلبة , وليست كما يتصورها بعضهم مجموعة من القيم الإنسانية التي تدور حول تقديس حرية الفرد وحقوق الإنسان فقط ” , ولما أثبت ص 71 ” وجود تشابه في بعض أعمدة الفكر اليوناني القديم مع بعض أصول الفكر الليبرالي الذي تمخض عن الفكر البروتستانتي ” , أورد بعض هذه الأعمدة فإذا هي ” مثل عد الإنسان كائناً رشيداً قادراً على الاكتفاء بهداية نفسه إلى الصواب والمصلحة , ومثل : عدم وضع اعتبار لعقيدة البعث والحساب , ومثل : عد المادية هي جوهر السعادة الإنسانية , ومثل : افتراض أن الأخلاق نسبية ومتغيرة بقدر ما تحقق سعادة الفرد والمجتمع ” , فما علاقة هذه المبادئ بأي دين أو مذهب ديني ولو كان البروتستانتية ؟ , وفي ص 87 , ينبهنا ” على أن الليبرالية بثوابتها تريد أن تضاهي العبودية في ثوابتها , فكما أنه لا يجوز في كل ملة دينية إلهية صحيحة أن يعطى إنسان أياً كان , أو طبقة أو حزب الحق في أن يغير الثوابت الربانية التي جاءت بها الشرائع الصحيحة , فإن الملة الليبرالية الشيطانية جعلت من ثوابتها مقدسات لا يجوز أن يقدم بين يديها من أي إنسان أو سلطة أو طبقة أو حزب أو دولة ” , ويرى ص 115 , أن دعاة الليبرالية الاجتماعية , يسعون ” إلى إطلاق العنان لطلاق الأديان طلاقاً بائناً , لا يرجعه محلل أو محرم ” , وقال ذلك تعقيباً على قوله : ” إن الليبرالية بأنواعها ـ كما رجح لدينا ـ بروتستانتية المنشأ , يهودية الهوى والهوية ساكسونية النزعة والعقلية ” , ولما تكلم عن مفهوم ” النسوية ” التي تدعو للمساواة المطلقة بين الرجال والنساء ص 121 , أشار إلى أنها ” ظهرت في ملابسات وظروف لا تبعد كثيراً عن العقد المزمنة في الفكر الليبرالي تجاه الفكر الديني ” , ويرى في ص 192 – 193 , أن ” الليبرالية استعادت بقوة وسرعة سمات روح البروتستانتية وصفاتها التي انبثقت عن اليهودية المحرفة ” , ويتبع ذلك بوصف الكاتب الليبرالي صلاح نيوف لليبرالية الجديدة , بأنها ” دين عالمي له مؤسساته الهامة وعقيدته الصلبة , كما له كهنته وفقهاؤه وكتابه المقدس , وله جحيمه المعد للمهرطقين والملحدين ولمن يتجرأ عليه ” , ويثبت ص 218 , أن الفكر الليبرالي الرأسمالي الذي انتهى إليه نصارى الغرب , جاء ” بعد ثورتهم على الدين ” , وأن هذا الفكر , تحلل ” من الثوابت والعقائد ” , وكان الباحث في غنى عن ذلك كله لو نزع من ذهنه محاولة إثبات الأصل الديني اليهودي والبروتستانتي لليبرالية , فمبادئ هذين الدينين بعيدة كل البعد عن الليبرالية بأنواعها وتطوراتها المختلفة , وعندما نرجع إلى كتاب : الطاغية لإمام عبد الفتاح إمام , سلسلة عالم المعرفة في الكويت مارس 1994 ص 142 – 147 , وحديثه عن موقف البروتستانتية من الاستبداد والطغيان , وبالتحديد موقف المؤسسين لوثر وكالفن , فسنجد أنهما أبعد الناس عن الليبرالية , ويبدأ ذلك من نظرتهما للطبيعة ” البشرية الشريرة الفاسدة ” , التي لا يمكن أن تستقيم , إلا ” بالكوابح والضوابط ” , وأن ” الإكراه والقسر هو الأساس الضروري للحياة الاجتماعية والسياسية ” , ويرى مؤلف الكتاب , أنه ” لا يوجد في فكر لوثر أو كالفن أي مجال لأي نوع من أنواع العقد الاجتماعي أو سيادة الشعب ” , وهما من أهم أسس الفكر الليبرالي , ويقول مؤلف الكتاب : ” ويشن لوثر حملة عنيفة على ما يسمى بالشعب ويصفه بعبارات بالغة السوء , ” فكما أن الحمار يريد أن يتلقي الضربات , كذلك يريد الشعب أن يكون محكوماً بوساطة القوة . إن الله لم يعط الحكام ذنب ثعلب يستعمل في رفع الغبار , وإنما أعطاهم سيفاً , لأن الرحمة ليس لها دور في مملكة العالم التي هي خادمة لغضب الرب ضد الأشرار وتمهيد عادل لجهنم والموت الأبدي ” . ويشير لوثر إلى أن اليد ” التي تحمل السيف وتذبح ليست يد الإنسان , وإنما هي يد الله . إن الله هو الذي يشنق ويعذب ويقطع الرأس , فكل هذه الأعمال هي أعماله وأفعاله ” , ” , ويصل لوثر في الغلو في الحكام كما ينقل عنه المؤلف , إلى القول ” أمراء هذا العالم آلهة , والناس العاديون هم الشيطان , وعن طريقهم يفعل الرب أحياناً ما يفعله في أحيان أخرى مباشرة عن طريق الشيطان .. إني لأفضل أن أحتمل أميراً يرتكب الخطأ على شعب يفعل الصواب ” , وينقل المؤلف في الهامش 34 على ص 146 , أن كالفن ” وافق على إعدام أحد الأشخاص لأنه اختلف معه في الرأي , إذ لم يكن يعترف بحرية الفكر ولا بتعدد الآراء أو اختلاف وجهات النظر . وهو أمر يتفق مع كراهية البروتستانتية للديمقراطية أو حكم الشعب ” ,. أما اليهودية فهي من أبعد الأديان والمبادئ عن الليبرالية , ولما حاول الباحث إلصاقها بالليبرالية أشار إلى تأثرها في انحرافها بالفلسفة اليونانية ص 71 – 72 , وجعل مبدأ الرشد الإنساني مما استفادته اليهودية من اليونان , مع العلم أن هذا المبدأ منطلقه لدى اليهود من نفي الخطيئة الأصلية , وهم بذلك لم يقولوا خطأً , بل إن قولهم هذا يتفق مع قول الله تعالى ” ولا تزر وازرة وزر أخرى ” , وأما اليونان فمنطلقهم في هذا المبدأ هو رفض الدين أساساً , فهناك فرق كبير بين الرأيين والمنطلقين , وأما المبادئ الأخرى التي ربط فيها الباحث بين الليبرالية واليهودية , ” كتعظيم الدنيا ومتاعها والتهوين من الآخرة وتمجيد المادة والمتعة واللذة والمال ونظرية الاصطفاء العرقي والقول بنسبية الأخلاق وعدم اعتبارها معيارية مطلقة ” ص 72 , فأكثرها موجود لدى اليونان واليهود وغيرهم من الأمم , كما ذكر الباحث نفسه عن القواسم ” المشتركة في أي عقيدة تقوم على ( عبادة الهوى ) ” ص 71 , وبعضها لم يثبته الباحث عن اليهود بطريقة علمية صحيحة , وكذلك القول في العقائد الغيبية التي ادعى الباحث التشابه فيها بين اليهود واليونان في نفس الصفحة , وكل أدلة الباحث على هذا التأثر بين اليهودية والفلسفة اليونانية , هو أن الانحراف لدى اليهود حدث – في رأي الباحث – في فترة السبي البابلي لليهود على يد بختنصر عام 589 قبل الميلاد , وربط ذلك بالفلاسفة اليونانيين الكبار بعد مائتي سنة من تاريخ السبي البابلي , فأيهما أسبق تاريخاً , وأيهما تأثر بالآخر ؟ , ومن قال أن انحراف اليهود حدث في ذلك التاريخ ؟ , ومن يثبت ذلك ؟ , لاسيما أن هناك فارقاً زمنياً طويلاً بين موسى عليه السلام وبين السبي البابلي , يصل إلى أكثر من تسعمائة سنة .
25) أشار الباحث ص 80 إلى العلاقة بين لفظة ” البيوريتان ” بمعنى الأطهار أو المتطهرين , وبين كلمة ” البريطان ” وبريطانيا , ولا توجد علاقة ظاهرة بينهما , فالباحث نفسه يحيلنا في هامش الصفحة نفسها , على ” بعض الباحثين ” بدون تحديد , ثم يشكك بهذه المعلومة بقوله ” إن ثبت ” , والمشهور أن كلمة بريطانيا سابقة كثيراً على الصراع الكاثوليكي البروتستانتي .
26) في ص83 – 84 , تكلم الباحث عن النسبية الأخلاقية , وربطها بعقيدة إنكار البعث وعقيدة الرشد البشري , ” وهما العقيدتان الثابتتان في المذهب البروتستانتي ” , وسبقت الإشارة إلى عدم ثبوت عقيدة إنكار البعث في مذهبهم .
27) في ص84 ضرب الباحث مثالاً على النسبية الأخلاقية , بالتقابل بين مفهوم العدالة بين الفكر الليبرالي والاشتراكي , وكأن الفكر الاشتراكي مناقض للفكر الليبرالي , بينما هو في الحقيقة امتداد له وتفرعٌ عنه ومذهبٌ فيه . ثم استدل على هذا التقابل والتعارض بين المفهومين , بأن ” الفرد والمجتمع إذا كانا بلا إله ولا بعث – كما تقول الشيوعية – فينبغي أن يتساووا في هذه الحياة ” , ونسي أنه ذكر أن البروتستانتية وابنتها الليبرالية – في رأيه – ومن قبلهما اليهودية لا تؤمن بالبعث , وإيمانها بالله إيمان نفعي مصلحي ضعيف , بل إن أكثر الليبراليين لا يؤمنون بالخالق جل وعلا , فكيف يكون هذا هو سبب اختلافهم في مفهوم العدالة مع الاشتراكيين الشيوعيين ؟ .
28) في ص85 – 86 , قرر الباحث أن مفهوم حتمية الصراع لضمان التطور والارتقاء إلى الأحسن , مبدأ ليبرالي ” منتزع من العقيدة الدينية البروتستانتية ” , القائمة على ” الاختيار الإلهي لجماعة مختارة من البشر ..” إلى آخر الكلام , فأولاً لا علاقة لهذا المفهوم بالعقيدة المشار إليها , وثانياً فإن عقيدة الاختيار الإلهي تتنافى عقلاً مع نظرية الصراع لضمان التطور والارتقاء إلى الأحسن , لأنها تضمن لهذا الشعب المختار إلهياً التفوق بدون حاجة إلى صراع , ولعل مما يؤكد ذلك أن الباحث أشار في نفس الفقرة , إلى ” أن حتمية الصراع المسمى ( بالقانون الطبيعي ) أن ذلك الصراع سيستمر حتى يسود النمط الليبرالي في الحياة ” , فهو صراع ” طبيعي” , ولا علاقة للعقائد ولا للاختيار الإلهي بذلك , ويؤكده أيضاً أنه أورد في نفس الصفحة , الخلاف بين فوكوياما وبرنارد لويس حول ( صراع الحضارات ) , ( ونهاية التاريخ ) , مع أنهما ينهلان من فكرٍ واحد وحضارةٍ واحدة وعصر واحد , مما يدل على أن هذه الأفكار الليبرالية , هي في الغالب آراء بشرية قائمة على اجتهادات متعارضة لا علاقة لها بالأديان , والغريب أنه جعل فكرة الصراع الحتمي وتكراره تنتهي ” بالاختيار الإلهي ” ” لجماعة بشرية معينة , تكون لها السيادة حتى ( نهاية التاريخ ) ” , ومن المعلوم أن فكرة الصراع تتنافى مع فكرة الاختيار الإلهي الذي يحدد مسبقاً ” الأمة المختارة ” . ثم قابل بين مفهوم حتمية الصراع بين الشيوعية والليبرالية , فقال : ” فإن حتمية الصراع بين الجماعات أو الحضارات البشرية في الفكر البروتستانتي عدت في الفكر الشيوعي أو الليبرالي آلية طبيعية سميت ( القانون الطبيعي ) , في حين سميت في الفكر الاشتراكي ( بالحتمية ) أو ( حتمية الصراع بين الطبقات ) ” , فالاشتراكية والشيوعية مبدأ واحد وهو قد فصل بينهما , وربط بين الشيوعية والليبرالية مع الفرق الكبير بينهما , وهذا يدل على عدم العناية بالبحث ومراجعته .
29) في ص86 – 87 أشار الباحث إلى التناقض الموجود في الفكر الليبرالي , حيث حدد لليبرالية الثوابت الثلاث التي ذكرها , وذكر أن الليبراليين جعلوها من المقدسات , وأن هذا يتناقض مع الفكر الليبرالي المتحرر , وذكر أنه إشكالية وهو في الحقيقة ليس إشكالية , بل هو الأمر الطبيعي في الفكر البشري المقطوع الصلة بالدين , وهذا يؤكد ما ذكر في فقرة سابقة من أن الليبرالية هي في الحقيقة جهد بشري مقطوع الصلة بالأديان , فلذلك تكثر تناقضاته . ثم هل يوجد ثوابت في الليبرالية فعلاً كما أشار الباحث ؟ , الذي نعلمه أن الثابت الوحيد لدى الليبراليين ومن سار على طريقهم من بني جلدتنا , هو أنه لا يوجد ثابت , وعندما ترى تقلبات الفكر الغربي الليبرالي المعاصر , وإلى أين وصل في ثورته وتمرده , تتأكد لديك هذه الحقيقة , وقد أشار الباحث إلى ذلك عندما تكلم عن ولع الغربيين بتغيير الأفكار , والحداثة وما بعد الحداثة , والعولمة والفرق بينها ص 224 – 227 .
30) في ص87 علق الباحث على ” حماقة الليبرالية ” في تمسكهم بثوابتهم ومطالبتهم لنا بالتخلي عن ثوابتنا , والأصل أن لا نتهمهم بالحماقة في ذلك , لأنهم لا يرون صحة الإسلام وأحقيته كما نراها , بل ولا صحة الأديان كلها , فالأمر أكبر بيننا وبينهم من الاتهام بالحماقة ومطالبتهم بالإنصاف والعدل الذي لا يرونه إلا لأنفسهم .
31) يرى الباحث ص 149 أن الليبرالية السياسية ظهرت فكرتها , مع ” الثورات السياسية الثلاث الانجليزية عام 1688 والأمريكية عام 1776 والفرنسية عام 1789م … لكن تلك الثورات لم تكن تحمل نظريات تطبيقية مستقرة في الحكم باسم الليبرالية ” , والحق أن الليبرالية السياسية بدأت أبكر من هذا بكثير , فبذورها موجودة في الفكر اليوناني والروماني , ثم عاودت الظهور في الغرب مع إعلان الماجنا كارتا في بريطانيا عام 1215م , وسبق هذه الثورات نظريات سياسية مختلفة حول أسلوب الحكم , ذكر الباحث منها نظرية هوبز ولوك والفرق بينهما ص 151 , أما القول بأن هذه النظريات لم تكن تحمل نظريات تطبيقية مستقرة باسم الليبرالية فغير دقيق , فهي قد أسقطت العروش وسنت الدساتير السياسية بشكل واضح , وهذا موجود بشكل أوضح في الثورتين الفرنسية والأمريكية , ومن الغريب أن الباحث يشير إلى , أن ” أسبانيا شهدت أول تطبيق عملي لليبرالية السياسية ” , وهذا بعيد جداً , فأسبانيا الكاثوليكية المحافظة لم تعرف التحرر السياسي إلا في وقت متأخر جداً , وأين التجارب الإنجليزية المبكرة والثورة الأمريكية والثورة الفرنسية ؟ .
32) في ص151 أشار الباحث إلى الفيلسوف الإنجليزي هوبز 1588م – 1679م , وربط نظرياته السياسية بـ ( العقد الاجتماعي ) , وهي نظرية جان جاك روسو , ثم أشار في نهاية الفقرة إلى رأي هوبز في ضرورة ( السلطة شبه المطلقة للحاكم ) , وهذا خلاف الليبرالية السياسية تماماً .
33) قام الباحث ص149 – 167 بهجاء وتشريح قاسٍ للديمقراطية , فلمصلحة من هذا التشريح وبيان عيوب الديمقراطية ؟ , فمع أنها أهل للتشريح والهجاء , وفيها من العيوب ما لا حصر له , ولكن نقدها بالحق والباطل وفي هذه المرحلة بالذات , يصب في صالح الاستبداد الذي جمع بين الظلم والعلمانية , والحقيقة التي لا تقبل الجدل , هي أن النظام الديمقراطي مع عيوبه ومثالبه , هو أفضل نظام صنفه البشر بعيداً عن الدين الصحيح , فعدا نظام الإسلام الحقيقي بأصوله ومناهجه الحقة , وتطبيقه في عهد الخلافة الراشدة وبعض الفترات القصيرة جداً , فالديمقراطية تفضل بقية الأنظمة بلا استثناء , على الأقل من جانب توفر العدل وحفظ حقوق الناس : –
أ‌) ففي ص 152 – 153 يقول الباحث بعد أن ذكر أسس الديمقراطية : ” كلا م جميل وجميل جداً , غير أنه يتحول إلى معنىً قبيح وقبيح جداً عندما نرى في خلفيته شيئين رئيسيين ” , ثم يذكر هذين الشيئين , وهما قصر الاهتمام على الدنيا , واستحالة توطين الديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين , ثم يقول : ” فالديمقراطية إن كانت نوراً في الغرب النصراني , فللشرق الإسلامي ظلامها , وإن كانت عدلاً هناك فهي ظلم هنا , وإن جاءت بالسعادة والوفاق هناك فهي هنا للشقاء والشقاق ” , فهذا منطق عجيب , فلا أدري ما علاقة اعتداء حكام العرب والمسلمين المستبدين على نتائج الانتخابات بعدم صلاحية الديمقراطية ؟ , وكيف تتم المقارنة بهذا الأسلوب بين الديمقراطية هنا وهناك ولماذا ؟ وكيف يتحول الكلام ” الجميل والجميل جداً ” إلى ” معنىً قبيح وقبيح جداً ” في بلاد المسلمين ؟ , ولمصلحة من هذا التحكم ؟ . وقد كرر الباحث تخصيص الديمقراطية بالغرب , وأنه ” لا بد منها كآلية تضمن تجديد الغرب لنفسه سياسياً واقتصادياً , فهي منهم وإليهم كما ذكرت ” ص 230 , فلماذا هي منهم وإليهم ؟ , ولماذا هذا الحجر والتضييق في الاستفادة من تجارب الآخرين ؟ , ويعيد علينا سوء التطبيق في بلاد العرب والمسلمين ص 231 , وكأن هذا حجة على الأمة في رفض آليات وإجراءات التجارب السياسية الناجحة في الرقابة على الحكام المستبدين .
ب‌) في ص154 يتهم الباحث الديمقراطية بأنها ” دائمة التقلب ” , وهذا – إن صحّ – فإنه يدل على أنها تجارب بشرية قابلة للتعديل , وهذا متسق مع كونها إنتاج بشري مقطوع الصلة بالدين فهل تنتقد بذلك؟ , ثم إنه ذكر مثالاً على هذا التقلب بالخلاف حول مدى اتساع دور السلطة ومدى تقييده , وهذا خلاف شكلي داخلي لا يؤثر على جوهر الديمقراطية وتطبيقاتها المختلفة , ولا يمنع من الاستفادة منها , لأن مجال هذا الخلاف حول مدى تقييد السلطة لا يتعلق بالقضايا الشرعية والعقدية , ولا يتعارض مع أي ثابت من ثوابت الإسلام فهو داخل في الإجراءات والآليات وليس في الحلال والحرام .
ت‌) في ص154 – 155 يعترف الباحث بالفرق بين فلسفة الديمقراطية وخلفياتها الفكرية , وبين الجانب الإجرائي والآليات , ويرى ” إمكانية ” الاستفادة من الشق الثاني فقط , فهي في رأيه إمكانية وليست ضرورة , ثم يرجع فيرى في نفس الصفحة ” أن هذه الآليات نفسها في الغالب ما تفرغ من مضامينها في ظل هيمنة ( حكم الأقلية ) الحاكمة باسم الديمقراطية ” , أي أنه ينفي حتى هذه ( الإمكانية ) , و يرى أنها ( لا تستحق كل هذه الجلبة ) , ولا أدري لماذا نغلو في رفض طريقة مجربة في الرقابة على الحاكم ومحاسبته بمثل هذه الحجج , لاسيما مع الإمكان الكامل لفصل الآليات و الإجراءات عن فلسفة الديمقراطية وخلفياتها الفكرية , وقد أصر على عدم إمكانية فصل الديمقراطية ” عن فلسفتها وقيمها ” ص 160 , وأما الاستدلال على استحالة الفصل بين الخلفية الفلسفية والإجراءات بالمؤتمر الذي عقد في اسطنبول , والذي يقول أن أغلبية المشاركين فيه , أكدوا ” على التلازم بين العلمانية الغربية والديمقراطية , بل عدوا العلمانية شرطاً في تحقيق الديمقراطية ” , فهو إلزام غير ملزم سواء من الباحث أو من المؤتمرين في اسطنبول , ويقال مثل هذا الكلام في إلزامه لنا بوجوب التخلي عن الثوابت من أجل الدخول في اللعبة الديمقراطية , لأن المنطق والعدل يقول أن بإمكاننا الاستفادة من الإجراءات والآليات السياسية الغربية , المجربة في مراقبة الحاكم والحد من سلطته المطلقة , التي لم تجلب للأمم والشعوب الإسلامية طول تاريخها إلا الكوارث والمصائب في الدين والدنيا , ولو أردنا أن نضرب الأمثلة على ذلك لاحتجنا إلى الموسوعات الكبيرة , فقد ضاعت الأمم والبلاد والعباد وسحقت كرامة الشعوب , بل وأضيع الدين بسبب هذا الاستبداد , وأحب أن أذكره بكلامه ص 111 , بأن ” كل أنواع الأفكار الليبرالية الدينية أو الاعتقادية التي يراد استيرادها بعجرها وبجرها , هي من الوافدات الثقافية التي تحتاج إلى فرز وتقويم , كغيرها من واردات الغرب , سواء كان ذلك في مجال الفكر والنظر , أو في مجال التقنية والمادة . وفي فهمنا للإسلام ليس كل ما يأتي من الغرب – أو الشرق – مقبولاً , كما أنه ليس مردوداً ” , وأن ” مساحة المباح أوسع بكثير من مساحة الحرام ” , وأن ” النتاج الفكري هو الذي كان – ولا يزال – يمثل مشكلة في التعامل معه ” , بل أذكره بقوله ص 112 : ” وإن كان ذلك لا يمنع من أن هناك بعضاً من الوافد الفكري قد يكون نتاجاً لتجارب إنسانية أثمرت خبرة يمكن الاستفادة منها واستثمارها في مجالها ” , فلماذا التحكم في الاختيار من هذه التجارب والخبرات , واستثناء التجارب السياسية المجربة والناجحة في الرقابة على الحاكم المستبد منها ؟ , بل لماذا تذكر الوافدات والأفكار الليبرالية والدينية , وأنها قابلة للفرز والتقويم , وتستثنى الآليات والإجراءات السياسية ؟ , والدليل على هذه الانتقائية لدى الباحث غير ما ذكر , هو أنه عندما عدد عوامل تفوق الغرب وتقدمه المادي , ذكر معظم العوامل وأغفل العامل الأساسي في ذلك , واختصره في ” بعض قضايا العدالة في السياسة والقضاء ” ص 74 , وترك جانب الرقابة والمحاسبة وتداول السلطة جانباً , مع أنها أهم العوامل وأكثرها أثراً في تقدمهم وسيطرتهم على العالم منذ قرون كثيرة , وفي ص 118 ذكر الباحث الأعمدة الثلاثة للفكر الليبرالي الحديث وهي ( الحرية الشخصية ) و ( المسؤولية الفردية ) و ( الليبرالية الاجتماعية ) , وتجاهل الديمقراطية والحرية السياسية وهي من أهم أعمدة الليبرالية , ثم إن كبار علماء المسلمين في هذا العصر , وعلى رأسهما الإمامين الجليلين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله , أجازا المشاركة في الانتخابات إذا ترجحت المصالح وغلبت على المفاسد , فلماذا تضييق ما وسعه الله سبحانه على المسلمين من أجل أوهام لا تصمد للنقد ؟ , ولماذا نبرر للظالم ظلمه ونبحث له عن الأعذار في ظلمه وتسلطه ؟ .
ث‌) ينتقد الباحث الديمقراطية ص 155 – 156 , ” بالتناقض واضطراب الحكم لوصول الأحزاب عن طريق التداول إلى الحكم فيقومون بنقض ما أبرم غيرهم وهكذا دواليك ” , ويكرر نفس النقد ص158 , بدعوى تقلب التشريعات بين برلمان قديم وجديد , وأن هذا اعتداء على حق التشريع للآخرين , ولم نر هذه المشكلة في الديمقراطيات الغربية لإتحاد الأهداف أو قربها من بعضها , فلا داعي للمغالطة وهجاء الديمقراطية بالحق والباطل .
ج‌) في ص 156 , يرى الباحث أن الديمقراطية المنتقدة من ناحية التنظير والفكر , فإن هذا النقد يشتد ( في حالات التطبيق ) , ويصل إلى , أن ” كل حسن في الديمقراطية – إن وجد – يستحيل الكثير منه قبيحاً عند التطبيق ” , فأقول : عندما يصل نقد الديمقراطية إلى هذا الحد ” كل حسن في الديمقراطية – إن وجد – يستحيل قبيحاً عند التطبيق ” , فأرى أن المسألة لم تعد نقداً ولا بحثاً علمياً محايداً , بل أصبحت هجاءً بدون أصول علمية , فكيف يقال : ” إن وجد” ؟ مع أن تاريخ الديمقراطية في الغرب والرقابة على الحاكم ومحاسبته , هو أساس نجاحهم وسيطرتهم على العالم منذ مئات السنين , وكيف تنفى الحسنات جملةً وتفصيلاً عنها بصرف النظر عن رأينا في هذه الديمقراطية ؟ , وكيف يصبح الاعتماد على التضادات اللفظية أساساً لنقد تجربة بشرية كبيرة واسعة , ومحاولة إسقاطها بهذه التسطيح البعيد عن الأسلوب العلمي ؟ , هل يتصور الباحث أن الناس – ومنهم المسلمون – سيرفضون الديمقراطية من خلال هذه الحجج التي لا تقنع أحداً ؟ .
ح‌) في ص 156 – 157 , يورد الباحث نقد ( شومسكي ) للديمقراطية , وعلينا وعليه أن نتذكر ويتذكر , أن شومسكي ينتقد الديمقراطية من داخل الديمقراطية , وهذا من حسناتها شئنا أم أبينا , والباحث يعلم أن شومسكي يمثل وجهة نظر اليسار الأمريكي , وهو تيار محدود ببعض المثقفين الذين يعارضون الاستعمار والتسلط , ولكنهم لا يخرجون في النهاية عن الفكر الغربي إجمالاً , وينتقد الباحث الديمقراطية في نفس الصفحة , بأنها تدّعي أنها حكم الأغلبية , مع أن الواقع – في رأيه – أنها حكم الأقلية , وقد يصح ذلك وقد لا يصح , وقد يتفاوت من بلد إلى بلد , ومن عصر إلى عصر , ولكن يكفي وجود الرقابة التي لا توجد في أي بلد مسلم مع الأسف , وينتقدها كذلك بأنها تتناقض من بلد إلى بلد … , إلى آخر كلامه , ولكنها لا تصل إلى حد التناقض ولكنه التفاوت فقط, , والباحث يعرف ذلك , بل يصل في زعم التناقض بين الديمقراطيات في البلدان المختلفة , إلى أن يقول ص 157 : ” ودول الإتحاد الأوروبي تختلف فيما بينها في ديمقراطياتها اختلافاً جوهرياً من ناحية التطبيق … ” , وهذه فيما أرى دعوى عريضة لا يمكن إثباتها بإطلاق , وإن اختلفت الإجراءات من بلد إلى بلد ولكن الجوهر واحد , أما عندما يصل الباحث في نفس الصفحة , إلى مقارنة ديمقراطيات أوروبا , بـ ” ديمقراطية موريتانيا ” , و ” ديمقراطية ليبيا العظمى ” , التي ” لا يمكن أن تلتقي مع ديمقراطية سوريا ” , فهنا أرى أن الباحث يصل إلى درجة محزنة من الضعف والتقصير والتحيز غير اللائق ببحثٍ علمي , فكيف يخطر في عقل أي عاقل وجود مجال للمقارنة بين هذه الأنظمة المتباعدة , مهما كان رأينا في ديمقراطية الغرب ؟ .
خ‌) أما ما أشار إليه الباحث ص 159 – 160 , إلى أن الغرب يريد أن يفرض علينا ديمقراطيته , بصرف النظر عن طبيعة الأمة ودينها وفكرها وثوابتها الحضارية , فهو صحيح , ولكن لا علاقة له ببيان حقيقة الديمقراطية وأمها الليبرالية .
د‌) في ص 158 , ينتقد الباحث الديمقراطية , بأنها ” تفترض أن الأغلبية على صواب دائماً ” , وأن ذلك ” تنقضه النتائج المتناقضة للانتخابات” , والذي يعرفه الباحث أنهم لم يقولوا أن الأغلبية على صواب دائماً , بل إنهم يقولون : هذه رغبة الأغلبية بصرف النظر عن الصواب والخطأ , وأرجو أن لا يكون همنا هو تشريح الديمقراطية لمصلحة طرف آخر , وفي بحثٍ علمي يفترض أن لا يكون مجيراً لحساب أحد . ويرى الباحث أن هذا القول ” في حد ذاته كافٍ للطعن في جوهر الفكرة الديمقراطية التي تقوم على فرضية أن الأغلبية منزهة عن الوقوع في الخطأ ” , وهم لم يقولوا بأن الأغلبية منزهة عن الخطأ قطعاً , وكذلك فهذا ليس كافياً للطعن فيها كما يعلم الباحث قبل غيره , وإذا كان هذا يكفي للطعن في الديمقراطية في رأيه , فهو لا يكفي في رأي غيره وما أكثرهم , ويكرر في ص 164 التأكيد على , أن ” الخيار الديمقراطي ليس معصوماً ” , ولم يقل أحد بذلك , فلماذا نحارب طواحين الهواء ؟ , ونود أن نذكره هو وأصحاب هذا المنطق , بأن الأغلبية وإن لم تكن على صواب دائماً , فإن الفردية والديكتاتورية والتسلط والاستبداد على خطأ دائماً وأبداً .
ذ‌) في ص 158 – 159 , يقول الباحث تعليقاً على أن واضعي التشريعات في الديمقراطية سيحالون للتقاعد أو سيموتون : ” وأية ميزة لتلك العقول التي أعطتها آليات الديمقراطية ما يشبه العصمة حتى تكون لها هيمنة على غيرها من العقول ..” , والباحث يعلم قبل غيره أن الديمقراطية لم تعط أحداً العصمة مطلقاً , بل هي ضد ذلك , ولذلك أخبرنا الباحث قبل قليل أن القوانين تغيّر , بل إن الدساتير الأساسية تغيّر , والحقيقة أن الباحث هنا يناقض نفسه , فمرة يتهم الديمقراطية بوضع ثوابت محددة وتقديسها , ومرة يتهمها بالاضطراب والتغير الدائم .
ر‌) في ص 159 , ضرب الباحث مثالاً على تناقض الديمقراطية بتناقض القوانين مع الدستور , ” وهو أبو القوانين ” خاصة في البلاد الإسلامية , والسؤال هو : ما علاقة ذلك بالبحث حول الليبرالية الغربية والديمقراطية وحقيقتها ؟ , ومتى كان الحكام العرب والمسلمين حجة لأحد أو على أحد ؟ , ويعقب على كلامه في نفس الصفحة , بالقول : ” ألا يدل ذلك على أن احترام الدستور يمكن أن يكون شيئاً موجوداً في رؤوس واضعيه فقط .. ؟ ” , وأقول للباحث وكذلك فإن هذا التصور الخاطئ للديمقراطية , هو شيء موجود في رؤوس البعض لغايات مختلفة , ومجال البحث هنا هو بيان حقيقة الليبرالية , وليس بيان كذب وتدليس ديمقراطيات العرب والمسلمين .
ز‌) في ص 160 – 164 , نقد جيد للديمقراطية الأمريكية المعدة للتصدير للبلاد الإسلامية , والمشكلة لديه أن النموذج الذي يراد فرضه على العرب والمسلمين هو النموذج الأمريكي المعد للتصدير لنا , وليس النموذج الذي يطبق في الغرب , ثم بين خصائص هذا النموذج ومواصفاته , ولكن الذي أراه أن هذا لا علاقة له ببيان حقيقة الليبرالية الغربية وابنتها الديمقراطية لدى الغرب , لأن البحث معد في الأساس لبيان هذه الديمقراطية والليبرالية في ديار المنشأ والتطبيق النموذجي , أما النماذج التابعة والمقلدة فنقدها له مجال آخر , ثم إن الباحث في هذا الفصل بالذات يعترض على الديمقراطية بكافة أشكالها وصورها ومجالات تطبيقها , وليس على الديمقراطية المعدة للتصدير فقط .
س‌) في ص164 , ألزم الباحث الآخرين بما لا يلزم , من أن كل مدافعٍ عن الديمقراطية يرى أنها وحياً معصوماً ” لا يوصل القدح فيه إلا إلى الهلاك ” , رداً على من زعم أن كل مهاجم للديمقراطية يصب هجومه لمصلحة ( الدكتاتورية ) , فلا هذا ولا ذاك , فالاعتدال مطلوب , ولكن تشريح الديمقراطية ونقدها بالحق والباطل , ونفي أية ميزة وإيجابية فيها كما فعل الباحث , وفي ظروف تسلط فيها المستبدون وأوصلوا الأمة إلى ما وصلت إليه , وعدم الكلام عن البديل بشكل واضح وتفصيلي , يوصل إلى القول بأن هذا النقد للديمقراطية وبهذا الأسلوب سيصب في مصلحة التسلط والديكتاتورية شاء الباحث أم أبى , مع أن الباحث في نفس الصفحة وما بعدها , دافع عن الدكتاتورية بشكل صريح , بقوله : ” كما أن كل الدكتاتوريات لم تكن جميعاً خراباً وفساداً في واقع ودنيا الناس ..” , ولعل مما يؤكد دفاعه عن الدكتاتورية بحجج متهافتة ضعيفة , ما ذكره ص 165 – 166 من المغالطات والمقارنات الخاطئة التي كان في غنىً عنها , فقد ضرب الأمثلة بالفراعنة وبابل وآشور والفينيقيين والهنود والصينيين القدماء والمعاصرين , وأنها لم تكن حضارات ” ديمقراطية ” , ومع ذلك فهي في رأيه ” حكومات ناجحة ” بالمعايير الدنيوية , ” لأنها جلبت العمران والمدنية ولو إلى حين ” , وقارن هذه النماذج السابقة ” الناجحة !!! ” بنماذج ” ديمقراطية ” حقيقية وغير حقيقية معاصرة جرت على قومها المهالك , ومنها ” الديمقراطية الأمريكية !!!! وهتلر وموسيليني وتيتو ” , و ” حكومة براون ذيل بوش الجديد بعد بلير !!!!!! ” , و ” نجاد والجعفري والمالكي ” , و ” حكومات ( الوراثة الديمقراطية ) أو ( الجمهوريات الملكية ) في بلدان عربية وإسلامية ” , في خلط إن دل على شيء فهو يدل على أن الباحث من أبعد الناس عن البحث العلمي المنهجي , لا سيما عندما قارن الأنظمة السابق ذكرها , بحكومات ” وراثية تعد بالمعايير الغربية حكومات ديكتاتورية أو رجعية , حيث عاشت ولا تزال مثل تلك المجتمعات ( غير الديمقراطية ) حياة أسعد ألف مرة !!!!!!! من حياة الشعوب اللاهثة وراء سراب الثورية أو الديمقراطية ” , ولسنا بصدد المقارنة بين هذه الأنظمة وأي شعوبها أسعد , لأن هذا له مجال آخر , ولكن يتضح من هذه المقارنات , أن الباحث يؤيد نوعاً معيناً من الديكتاتورية لم يسمها ولكنه وصفها بأوصاف واضحة , والأصل في البحث أنه ليس مجيراً لحساب أحد أياً كان هذا الأحد , بل هو لتحذير الأمة من خطورة الليبرالية على دينها وعقيدتها وسلوكها وأخلاقها , وليس للترويج لأنظمة معينة أياً كانت , وهل هذه الأنظمة التي روج لها بريئة من الليبرالية في كثير من المجالات الجزئية أو الشاملة ؟ , وهل يجوز لباحث مسلم ينتمي إلى منهج أهل السنة والجماعة , أن يصل لهذه النتيجة المؤسفة , بتأييد الاستبداد تحت أي مسمى وتحت أي عنوان ؟ , ولعلمه فالسعادة التي أشار إليها في هذه المجتمعات , سببها – إذا كانت موجودة – في الغالب هو الوفرة المادية وليس أسلوب الحكم فيها , وهو قد أشار في آخر الفقرة ص 166 , إلى أن هناك معايير للسعادة غير طريقة اختيار الحكام , وأنه ” إذا كانت المنفعة المادية أو السعادة الدنيوية هي القيمة الأكبر التي ينبغي النظر إليها , فإنه لا نفع في منفعة توصل الإنسان إلى كسب الدنيا وخسارة الآخرة ” , ومما يدل على استثناءه لبعض الجهات !!!!!! من أحكامه هذه , هو قوله ص 245 : ” إن أكثر حكومات الشعوب الفقيرة تقف في الخندق المعادي لشعوبها ” , فلماذا كلمة الأكثر وليس الكل ؟ , ومن هؤلاء الذين خرجوا بهذا الاستثناء ؟ , أليسوا رعاة !!!! الشعوب السعيدة !!!!!!! الذين أشار إليهم قبل قليل ؟ , ومن العجب أن الباحث يصل بعد نتائجه السابقة , إلى تخييرنا بين كسب الآخرة وخسارة الدنيا عندما نرفض الديمقراطية , وبين كسب الدنيا وخسارة الآخرة عندما نختار الديمقراطية , وكأنه ليس هناك خيار ثالث , وهو كسب الدنيا والآخرة بتحكيم الإسلام الشامل الكامل , وتطبيق الشورى والعدالة التي تمثلت في النموذج النبوي والراشدي ونموذج عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى , واستعمال كافة الوسائل المشروعة في الرقابة على الحكام المتسلطين , والحد من تسلطهم , والاستفادة من تجارب الآخرين في ذلك ولو كانوا من الكفار الأعداء , و تفعيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والأخذ على يد الظالم وأطره على الحق أطراً , كما أمرنا بذلك الكتاب والسنة وخيار الأمة , ولعل مما يصب في اتجاه مجاملة بعض الأنظمة , أنه لما ذكر جرائم الأنظمة كلها بأنواعها , وخص أذيال الليبرالية الغربية والشيوعية الإلحادية بالذكر ص 187 , تجاهل الإشارة إلى الأنظمة التي أثنى عليها ومجد سعادة شعوبها , مقارنة بهذه الأنظمة التابعة للشرق أو الغرب , وكأن هذه الأنظمة التي تجاهلها أو أثنى عليها , ليست من ” أذيال ” الشرق أو الغرب , لا سيما الغرب , وكذلك لما انتقد الرأسمالية ص 176 , ذكر نسبة الفقر في أمريكا وعدد العاطلين عن العمل في أوروبا الغربية , وتجاهل الحال البالغة السوء في بلاد كثيرة غنية جداً وشعوبها سعيدة جداً في نظره .
ش‌) وفي ص 166 ـ 167 تكلم الباحث عن الليبراليين الرافضين لليبرالية إذا لم توصلهم إلى السلطة , أو أوصلت الإسلاميين إليها , وضرب مثالاً على ذلك بالليبرالي الكويتي محمد الرميحي ونقل بعض كلامه من أحد كتبه , وأشباه الرميحي كثر ممن لا يرون تطبيق الديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين إلا بعد تهيئتها لذلك , وإيجاد رأي عام ليبرالي يؤمن بالعلمانية والليبرالية , ولكن المشكلة لدى الباحث هي أنه ومن يرى رأيه , يتفقون مع هؤلاء الليبراليين في عدم الثقة بالأمة , ورفض إعطائها حقها في مراقبة الحكام المتسلطين , ومنعهم من جرها إلى المهالك والكوارث قديماً وحديثاً , فليس هناك فرق بين الفريقين في حقيقة الأمر , فالليبراليون يرون كما يقول الباحث , أن ” الشعب ( الذي هو مصدر السلطات في نظرهم ) قطيع غوغائي متخلف , لا بد أن تقوده وتسوده وتحكمه وتحاكمه ” الأقلية ” الليبرالية الواعية الواعدة ” , والباحث ومن يرى رأيه يرون أن الأمة التي تحكمها بنظر الغرب ” حكومات ديكتاتورية أو رجعية … أسعد ألف مرة !!!!!!!!! من حياة الشعوب اللاهثة وراء سراب الثورية أو الديمقراطية ” , ثم أن انتقائية الغرب في ديمقراطيته وحصرها في شعوبه , ليست مبرراً لرفض الاستفادة من آليات وإجراءات المراقبة الموجودة لديهم أو لدى غيرهم , فالحكمة ضالة المؤمن , وقد أشار الباحث إلى ذلك كثيراً في بحثه هذا , ومما يدل على توجه الباحث إلى التركيز على الديمقراطية الليبرالية الغربية , ونسيان أو تناسي الأنظمة الأخرى , أنه بعد هذا النقد الشرس لليبرالية الغربية بالحق أحياناً وبالباطل أحياناً أكثر , فإنه أشار على استحياء إلى الأنظمة الأخرى في ص 187 , فقال : ” غير أننا هنا لا نعفي النظم والمنظومات الفكرية العلمانية الأخرى وعلى رأسها الشيوعية بأنواعها , من تهم الإجرام في حق البشر , قتلاً وإفقاراً ودماراً . كما لا يعفى كذلك أذيال الضلال الليبرالي , أو الإلحاد الشيوعي في بلاد العرب والمسلمين , أولئك الذين أضاعوا دينهم بدنيا غيرهم , فاستحق من لم يرجع منهم المنزلة الأحقر في التاريخ , والدرك الأسفل من النار ” , فكان نصيب هؤلاء المجرمين من النوعين الذين ملئوا الدنيا كفراً وضلالاً وقتلاً ودماراً , هو هذه الأسطر القليلة التي لا تعدوا أن تكون محاولة غير موفقة للتوازن .
ص‌) أشار الباحث في الصفحة 230 إلى أن العولمة لها أهمية كبيرة , في ” ضمان وصول الخدم والعبيد للسلطة ما داموا عملاء أمناء” , وأن الديمقراطية ” التي تتطلع الليبرالية إلى تعميمها وعولمتها …. تنزع إلى تمكين المستبدين وتأبيد المنتفعين في كراسي السلطة ليظلوا خدماً وعبيداً لسيدهم الغربي والأمريكي ” , والذي يعرفه الباحث قبل غيره , أن وصول هؤلاء الخدم والعبيد للسلطة قديم وثابت ومستمر ومضمون قبل عولمة الديمقراطية وأثناءها وبعدها , وليست مرتبطة بعصر معين , وهل كان هؤلاء الخدم والعبيد والراغبين في التسلط وتأبيد الكراسي ليسوا موجودين حتى يوجدوا ؟ , ويواصل تأكيده على هذه الفكرة , عندما يحذر ص 231 من أن العملية الديمقراطية , ستقترن ” مع الوقت بالأغنياء والأقوياء في البلدان النامية كما في البلدان الغنية , لأنها الآلية المعاصرة ( لبيع الحكم ) الذي أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه من الفساد الذي سينتشر في آخر الزمان ” , والسؤال هو : وهل أنواع الحكم الأخرى غير الديمقراطية لا يوجد فيها بيع الحكم ؟ , أليس بيع الحكم فيها أكثر حصولاً ؟ , أليست أكثر سوءاً ومصائب من غيرها ؟ , إلا إذا كان القصد هو بيان عيوب الديمقراطية ومهاجمتها بالحق والباطل لمصلحة أنظمة معروفة لا تقل خطراً على الأمة من غيرها , وأذكر الباحث بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الملك العضوض والحكم الجبري وتحذير الأمة منها , وحديث ” تنقض عرى الإسلام عروة عروة فأولها نقضاً الحكم وآخرها نقضاً الصلاة ” , وأذكره بأن الحديث الذي أخذ منه التحذير من بيع الحكم يوجد فيه التحذير من إمارة السفهاء وسفك الدماء وكثرة الشرط , وكلها تصب في تحذير الأمة من الدكتاتورية والتسلط , ويدل على هذا التوجه لدى الباحث , أنه يحذرنا ص 237 من ” أن تعميم الليبرالية السياسية ( الديمقراطية ) هو وجه جديد من ( عولمة اللصوصية ) ” , ويربط هذه العولمة بهذه الصفة بالشركات الأمريكية اليهودية النصرانية الصهيونية , وكل هذه اللوازم التي ذكرها ليست لازمة للديمقراطية إلا إذا أردنا الهجاء العاطفي وتنفير الناس من هذه الديمقراطية , وهذا – وإن كان مطلوباً – فليس هذا مكانه , ويمكن تحذير الناس من الليبرالية وابنتها الديمقراطية بأساليب أكثر تأثيراً , وبأساليب علمية قوية يستحيل نقدها وتفنيدها , ويدل على هذه العاطفية والبعد عن الدقة العلمية أن الباحث في ص 247 ينتقد فكرة ” اليد الخفية ” التي قال بها ” أبو الرأسمالية آدم سميث ” , وأنها لا تعدو أن تكون ” يد لص كبير لا بد أن تقطع ” , فإذا رجعنا إلى شرح الباحث لهذه الفكرة ص 169 – 170, فإذا هي فكرة طبيعية عادية يرى فيها آدم سميث أن التاجر والخباز والنجار وغيرهم من مقدمي السلع والخدمات , لا يقومون بهذه الخدمات إلا لأنها تضمن لهم الربح وكسب العيش , وأن الناس بهذه الطريقة يستفيدون من هذه الخدمات والسلع وإن لم يكن قصد هؤلاء خدمة الناس لوجه الله , أو كما قال الباحث ص 170 : ” ومعناها : أن الفرد بسعيه لتحقيق مصالحه الخاصة , هو غالباً من يحقق المصلحة العامة ” , ومن الواضح أن تحليل آدم سميث هنا دقيق وصائب , ويصف واقع الناس فعلاً , ولا علاقة لكلامه باللصوصية , واليد التي يجب أن تقطع , فدوافع الناس الطبيعية في مثل هذه الأمور لا تتعارض مع الإسلام , إلا أن المسلم يقرن مع هذه الدوافع الطبيعية النية الصادقة لخدمة الناس , وهنا يجب أن لا ننسى قول الله تعالى : ” وأحل الله البيع وحرم الربا ” , وأن نتذكر رأي العلماء المسلمين بأن تقديم هذه الخدمات من فروض الكفاية , وأن أمور البشر لا تستقيم إلا بها . ويدخل في ذلك أن الباحث يحذرنا ص232 من خطورة ” عولمة الديمقراطية ذات الأنياب والمخالب” , وكأن أمريكا قبل ذلك ليس لها أنياب ومخالب , وهل توقفت المشاريع الاستعمارية قبل العولمة وبعدها ؟ , وكان قد أشار قبل ذلك إلى وجود ليبرالية قديمة وليبرالية جديدة , وأن هذه الليبرالية الجديدة ارتبطت أكثر ( بأمريكا والأمريكيين ) , وأن هؤلاء لم يضيفوا جديداً في الفكر الليبرالي ( بل بدلوا وغيروا في الأداء الليبرالي بما يتناسب مع توجهات أمريكا الجامحة نحو تسلط امبراطوري عالمي شامل ) ص 191 , وكأن أوربا الاستعمارية لم يكن لها هذا التوجه . و في ص235 يحذرنا الباحث من خطورة ” فقدان الساسة لشرعيتهم” , بسبب عولمة الديمقراطية الذي تسعى إليه أمريكا , وأن ذلك , أدى إلى ” توحشهم” , فهل لم يكونوا وحوشاً قبل العولمة؟ , وأن هذه الحكومات ” ستعجز كلما تزايدت اللبرلة سياسياً واقتصادياً عن ضمان حقوق مواطنيها وموظفيها وعمالها وفلاحيها ” , وأن فرض الليبرالية الجديدة المتأمركة , أدى إلى ” إعادة عهود الاستعمار بأساليب ” حداثية ” مبتكرة ” ” ص 233 , فهل كانت هذه الدول تحرص قبل ذلك على ضمان حقوق مواطنيها ؟ , وهل ذهب الاستعمار حتى يعود من جديد ؟ , ولما أشار في هامش ص 155 إلى نوعين من العلمانية وهما الليبرالية الغربية وعلمانية الفكر الإلحادي الشرقي , نسي أو تناسى علمانية العالم الثالث الدكتاتورية المتسلطة على رقاب المسلمين , وهي من أسوأ أنواع الليبرالية , ولعل النموذج الكمالي التركي يكفي للتدليل على ذلك .

34) في ص 168 نسب الباحث شعار ( دعه يمر دعه يعمل ) إلى الثورة الفرنسية , وهو شعار بريطاني رأسمالي معروف النسبة لآدم سميث منظر الرأسمالية المشهور .
35) في ص 170 جعل الباحث روح الجشع الموجودة في الرأسمالية أو الليبرالية الاقتصادية ” روحاً يهودية ” , وأستدل على ذلك بالآية الكريمة , والأصل في ذلك أن روح الجشع هي روحٌ بشرية لم تنضبط بضوابط الدين , وليست خاصة باليهود وإن كانوا متميزين في ذلك , فالله عز وجل يقول : { زين للناس حب الشهوات .. } ورسوله عليه السلام يقول : ” لو كان لابن آدم وادياً من ذهب ..” .
36) في ص 176 جعل الباحث الرأسمالية ” أخرجت رأسها من جحر الليبرالية اليهودية ” , وهذا غير دقيق ولا حاجة إليه , وعيوب الليبرالية في ذاتها , وليست بسبب علاقة اليهود بها , ظهرت هذه العلاقة أو لم تظهر , ثبتت أو لم تثبت , وقد كرر الباحث ص 187 هذا الأمر .
37) في ص 116 ـ 117 لما ذكر الباحث محاولات الغرب تخفيف وحشية الرأسمالية بالاشتراكية الفابيّة وغيرها , أشار إلى ” أن الأحزاب الدينية في أوروبا هي الأكثر تمسكاً بالدعوة إلى سلوك هذا الطريق للتخلص من عار الانتساب إلى الرأسمالية الجشعة ” , مع أنه كان يقنعنا طوال الفصول الماضية , بأن الليبرالية والرأسمالية نتاج لطائفة دينية بروتستانتية أو يهودية , وكذلك في ص 123 يذكر الباحث أن النظرة السيئة إلى المرأة كانت نتاج اليهودية والنصرانية المحرفة , وهذا صحيح ولكنه متناقض مع إصرار الباحث في الفصول السابقة , على ربط الليبرالية باليهودية والبروتستانتية .
38) في ص 121 جمع الباحث بين كانت وروسو وفرويد وديكارت في عصرٍ واحد , مع أن فرويد ليس من عصرهم , والمفروض أن يذكره مع دوركايم وفايبر وماركس الذين أشار إليهما بعد أسطر , لأنه من عصرهم .
39) أشار الباحث في ص123 إلى نزعة معاداة المرأة في الفكر الليبرالي المبكر , وربطها بـ ” النزعة اليهودية ” لدى هذا الفكر , وهذا غير صحيح , بل هو دليل على تطور الفكر الليبرالي من مرحلة إلى مرحلة ومن طور إلى طور , وهو ما ينقض تأثر الفكر الليبرالي بالنزعات اليهودية أو البروتستانتية , ويؤكد هذا الكلام ما ذكره الباحث ص 120 ـ 133 حول الفكر النسوي الليبرالي وتنوعه وتضاده , وما ذكره عن ردة الفعل في الفكر الليبرالي في نظرته للمرأة , على ” الفكر الديني اليهودي المخرف , ومن بعده التراث الديني النصراني المحرف ” , وأن ردة الفعل هذه , كانت تعبيراً ” عن العقد المزمنة في الفكر الليبرالي تجاه الفكر الديني ” ص 121 .
40) أشار الباحث في ص 127 , 131 ـ 132 , إلى المؤتمرات النسوية المتعاقبة في عصرنا هذا , وكان الأفضل لو أحال إلى كتاب الدكتور فؤاد العبدالكريم حول قضية المرأة , لأنه تخصص بذلك وأشار إلى هذه المؤتمرات بالتفصيل .
41) في ص133 أشار الباحث إلى ثبات دور الرجل في القيادة على مر التاريخ , مما يؤكد أن هذا هو الفطرة والأصل , وهذا صحيح , ولكن عليه هنا أن ينبه إلى أن غلوهم وصل إلى القول بأن القيادة في فجر التاريخ البشري كانت للمرأة , ولكن الرجل اغتصب منها حق القيادة , وترتب على ذلك ما ترتب -ـ في رأيهم – من الكوارث والمصائب , ولذلك فهم يقترحون إعادة القيادة إلى المرأة لينعم البشر بالسلام , و تكلم الباحث عن دعوة الحركات النسوية إلى المساواة بين الرجل والمرأة ” في كل شيء إلا في بعض الأمور ( البيولوجية ) ” ص 127 , وأن هذه الحركات تدعو إلى إلغاء التمايز ” بين الجنسين إلا في إطار ضيق يعترف به النسويون ” ص 128 , والمعروف أن الحركات النسوية تجاوزت هذا الاستثناء , ودعت إلى المساواة المطلقة حتى في الأمور البيولوجية , فظهرت البحوث العلمية !!!!! التي تحاول أن تلغي هذه الفروق حتى في المورثات الجينية , وهذا واضح في كتاب : جنوسة الدماغ الذي نشرته قريباً سلسلة عالم المعرفة في الكويت , ورأيناه في صور قبيحة نشرت في وسائل الإعلام أخيراً عن حمل الرجال !!!! وولادتهم , وتكلم عن قيام هذه الحركات بنشر مفهوم الجندر , الذي يعني المساواة الشاملة في كل شيء ص 128 – 130 , وأفاض في تفاصيل جوانب المساواة التي طبقوها أو أنهم يريدون تطبيقها , ومنها وسائل الإنجاب الجديدة التي تضعف دور الذكر في ذلك , ولكنه أغفل مسألة الاستنساخ التي تلغي دور الذكر نهائياً .
42) أشار الباحث في ص135 إلى تنقل السيادة في تاريخ أوروبا بين الكنيسة ثم الملوك ثم الدولة القومية , والذي ينبغي التنبيه عليه أن السيادة ظلت مشتركة فترة طويلة في أوروبا بين الملوك والكنيسة , ودار صراع مرير بينهما حول السيادة كان من نتائجه استفادة البروتستانتية التي أيدت الملوك بقوة , واستعانت بهم في صراعها مع الكنيسة الكاثوليكية , وإن كانت أسباب ظهور البروتستانتية أوسع من هذا السبب , ولكنها كانت عاملاً قوياً في تغلب الملوك على الكنيسة في ألمانيا وهولندا , ثم في بريطانيا وغيرها في وقت متأخر نسبياً .
43) أشار الباحث في ص 137 إلى أن العالم الإسلامي في القرون الوسطى ” كان ينعم بالاجتماع تحت ظل الرابطة والراية الإسلامية ” , والحق أنه لا داعي لتصوير الوضع في العالم الإسلامي آنذاك بهذه الصورة الوردية , فقد كانت الصراعات الداخلية في ديار الإسلام لا تقل وحشية وبشاعة عن غيرها في الحضارات الأخرى .
44) في ص 139 أشار الباحث إلى اختيار الأتراك للرابطة القومية التركية الطورانية , كرد فعل على اختيار العرب للقومية العربية , والصحيح هو أن العرب هم الذين كان اختيارهم للقومية العربية ردة فعل على اختيار الأتراك .
45) في ص99 قال الباحث ” وأنا أحسب أن هذا التعريف مملىً مباشرة من إبليس الكبير وليس من أحد ذريته أو تلامذته ” , ولا داعي لمثل هذا التعبير , فشياطين الإنس قد يكونون أخبث من شياطين الجن , وليس الباحث بحاجة إلى مثل هذا التعبير في بحثٍ علمي .
46) ذكر الباحث في ص 102 رأي جون هيك حول قضية التجسد والتثليث والكفارة والأقانيم , وأنها ” مجرد تعبيرات فلسفية جاءت بعد رسالة المسيح التي لم تكن في الأصل إلا رسالة توحيدية أخلاقية بسيطة ” , ولا أدري أين الخطأ في كلام هيك ؟ .
47) في ص 102 أشار الباحث إلى أن جون هيك ” يقتبس عن فيلسوف الصوفية الضال ( جلال الدين الرومي ) ” , فهل هو اقتباس مباشر وما دليل ذلك , أم مجرد توافق في الضلال ؟ .
48) في الفصل الثاني : دين الليبراليين / الفقرة 1 ص 93 – 114 تكلم الباحث طويلاً عن الليبرالية الدينية التي يرى أنها نوع من الليبرالية , والحقيقة أنه من خلال قراءة هذه الفقرة فإن النتيجة التي سنصل إليها , هي أن هذه الليبرالية التي وصفها بالدينية لا علاقة لها بالدين مطلقاً , بل هي ثورة على الدين ونسف لأصوله , وقول ببشرية الدين والوحي والنبوة , و ” لبرلة ” للدين وإخضاعه للمادية العلمانية , حتى لو كان الذي نقل عنه أغلب هذه الآراء , هو جون هيك أستاذ علم اللاهوت في جامعة برمنجهام في إنجلترا , ولعل تلخيص هذه الأقوال التي نقلها عن هيك وغيره يكفي لبيان هذه الحقيقة , فهو في ص 94 يشير إلى أن هيك اعتمد في نظريته تلك على نسبية الحقيقة , التي أخذها من الفيلسوف الشهير كانت , وهي كما أشار الباحث , تعني أن الحق لا تملكه جهة معينة أو دين معين أو شخص معين , وهذا أول معول في هدم الدين من أساسه , ثم ينقل عن هيك نقلاً عن كانت في نفس الصفحة ” أن الوحي الذي وصلت عن طريقه الأديان , لا يعدو أن يكون في كل حالاته تجارب شخصية روحية , يمكن أن يمر بها كل إنسان تتوفر فيه بعض الشروط , وعلى هذا فإن الوحي يمكن أن يتعدد بتعدد التجارب ” , ويرى ص 95 أن آراء هيك هذه تؤدي إلى ” كسر القداسة عن النصوص الدينية بوجه عام , وإرجاعها إلى تجارب بشرية , وإضفاء القدسية على تلك التجارب البشرية في اختراع الأديان , وعد كل الأديان شيئاً محترماً , لتعلقه بحرية الإنسان في أن يعتقد ما يشاء ” , وينقل عن هيك في نفس الصفحة ” أن كل الأديان يمكن أن تناقش أصول عقائدها , و وأنه لا دين يحتكر الحقيقة ” , وينقل عن عالم اللاهوت الألماني فردريك شلاير ماخر 1768 – 1834 أنه ” يرى الدين مسألة شخصية وتجربة خاصة . وهو يضفي على الدين مسحة علمانية , من حيث حصره في الداخل الإنساني فقط , وهو يقول في ذلك : ” إن جوهر الدين مسألة تعتمل في داخل الإنسان وروحه ودخيلته , وتذوب في مشاعر آنية تجاه المطلق [ الله جل جلاله ] , وليس في قوالب أو أنظمة أو قوانين ولا في أي صيغة خارجية مزعومة ” , وهو ينسجم في رؤيته تلك للدين , مع النظرة الليبرالية الحديثة له والقائلة بأن الدين شأن يتعلق بالحرية الفردية , ويرتبط بالوجدان لا بالأحكام ” ص 101 , وفي ص 99 ينقل تعريف الليبرالية الفكرية الاعتقادية عن موسوعة لالاند الفلسفية , بأنها ” مذهب فلسفي يرى أن الإجماع الديني ليس شرطاً ضرورياً لتنظيم اجتماعي جيد . ويطالب بحرية الفكر والعقيدة لكل الناس ” , ويقول في نفس الصفحة : ” إن الليبرالية الدينية التي تدخل ضمن الليبرالية الفكرية , أسماها المفكر اليهودي الفرنسي ( إيلي هاليفي ) : الحرية الميتافيزيقية ( الغيبية ) , ويقصد بذلك أن للمرء أن يعتقد ما يشاء من أمور الغيب , ويتخذ من الآلهة ما يشاء , ويعبدها كما يشاء . ومسؤولية البحث عن الحقيقة عند ذلك الفيلسوف , مسألة شخصية مدخلها العقل فحسب , وعلى المجتمع أن يحترم الحرية في ذلك ويتيحها لكل إنسان ” , ويقول في ص 100 : ” وصف تلك الليبرالية بأنها ( دينية ) لا ينفي عنها صفة العلمانية , فعلمانية الفكر هي الأساس الذي تقوم عليه كل الليبراليات , ومنها الليبرالية الفكرية والدينية , وتلك الليبرالية تهدف في النهاية إلى عزل العقائد والشرائع عن نظام الحياة , وإبقائها محصورة في الإطار الشخصي والروحي فقط ” , ويواصل في نفس الصفحة : ” وإذا تأملنا في الفكرة التي أسس عليها جون هيك قوله في التعددية الدينية , وجدناها تبنى على فرضية تفريغ الدين من اليقين , وإن كانت تعبر عن ذلك بصيغة ملتوية , وهي أنه لا دين يحتكر الحقيقة , وأن الإنسان حر في اختيار الطريق الذي يوصله إلى الغاية المرجوة من الدين وهي الخلاص والنجاة ” , وهؤلاء لا يعبرون عما يريدون ” بطريقة ملتوية ” , بل يعبرون عن أفكارهم حول الدين بطريقة مباشرة واضحة , ويقول ص 103 : ” ويضفي ( جون هيك ) على الديانات ـ تبعاً لشلاير ماخر ـ بعداً وضعياً علمانياً , فيقول : ” الأديان المختلفة هي تجارب دينية مختلفة , حدثت في فترات متعددة من تاريخ البشر , وعثرت على وعيها العقلي الذاتي في جو ثقافي ……. يرى هيك أن مفاهيم ( القدرة المطلقة ) , و ( الوجود المطلق ) , و ( الصفات المطلقة لله ) في الأديان هي أفكار بشرية لا تعبر بدقة عن حقيقة ذات الإله , ويرى أن الدين ظاهرة إنسانية , لا علاقة لها بالسماء ” , ويقول ص 112 ـ 113 : ” ويجيء القول بالليبرالية الدينية ـ على وجه الخصوص ـ ليشكل بحقيقته وبما يلزم عنه صداماً فكرياً لا للثوابت والأصول فحسب , بل لأركان الإيمان وشرائع الإسلام ومرتكزات العقيدة ” , ثم يفصل تعارضها مع أركان الإيمان الستة بشكل دقيق وواضح , فكيف تسمى بعد هذا الكلام الواضح ” بالليبرالية الدينية ” ؟ , وقد ردد الباحث هذه التسمية كثيراً في هذه الفقرة وهذا البحث عامة .
49) في ص193 – 206 أشار الباحث إلى غلبة اليهودية على عصابة ” المحافظون الجدد ” في أمريكا , ومع أن هذا صحيح , لكنهم منسجمون مع الفكر المادي الاستعماري الإنجيلي الغربي , مع العلم أن كونهم من اليهود لم يقدم ولم يؤخر كثيراً في السياسة الغربية عامة والأمريكية خاصة , والباحث يعيد تمجيد القوة والدعوة إلى استخدامها إلى ” حب المحافظين الجدد للحرب مع أن غالبيتهم من غير العسكريين ” ص 203 , ويعيد ذلك في نفس الصفحة إلى أنهم من أتباع فيلسوفهم ” شتراوس ” داعية استخدام القوة في نشر الديمقراطية والقيم الغربية , وسبق للباحث أن أعاد الولوع بالقوة إلى رفض البروتستانت لمبدأ الخلاص الكاثوليكي واستبداله بالمسيح المخلص الدنيوي , والمتأمل في هذا الأمر يدرك أن الولوع بالقوة وتمجيدها طبيعة إنسانية أولاً , ثم إنها فلسفة غربية قديمة قدم تاريخهم في عهد اليونان والرومان , زادتها النصرانية الكاثوليكية ثم البروتستانتية عمقاً , ثم ورثتها الحضارة الغربية الحديثة بكامل أبعادها , فليست مرتبطة بعصر معين ولا طائفة معينة , فكيف ترتبط بمجموعة ضيقة محدودة كالمحافظين الجدد , وبفيلسوف واحد كشتراوس ؟ , والباحث نفسه قد بين في ص 196 فما بعدها , أن الفرق بين المحافظين الجدد وغيرهم هو فرق بسيط ونسبي , وهذا صحيح , وهو تأكيد على عدم أهمية التركيز على دور المحافظين الجدد , كما فعله الباحث في أكثر من موضع من البحث , وقد نقض ذلك صراحة , عندما أشار ص 207 إلى أن المحافظين الجدد ليسوا وحدهم ” الذين يحتقرون أفكار الآخرين ويبشرون في ( العالم الحر ) بمحاربتها ومطاردتها وإحلال غيرها محلها ” , ونقل كلام كلينتون في التزام أمريكا المقدس بتحويل العالم إلى صورتها , وبين الباحث أن الفارق بين هؤلاء هو أن اليمينيين ” أكثر فظاظة وفظاعة في التعبير عن محتوى ذلك التبشير الذي جاء على لسان بيل كلينتون ” , والمتأمل في تاريخ الغرب الدموي الوحشي في عصوره وأطواره المختلفة يدرك ذلك , ولا أظن هذا الأمر يحتاج إلى إطالة الكلام , لوضوحه لكل أحد أياً كان اطلاعه وثقافته .
50) أشار الباحث في ص196 إلى أسباب سقوط الإتحاد السوفيتي , وركز على سباق التسلح وحرب النجوم , وأهمل العوامل الأخرى كالعوامل الذاتية في النظام الشيوعي السوفيتي ودور المجاهدين الأفغان .
51) في ص197 أشار الباحث إلى ” أن الدين …. غائباً أو مغيب في برامج ومبادئ المحافظين الجدد” , والصحيح أنه ليس غائباً ولا مغيباً , وارجع إلى بحثه عن المحافظين الجدد في التقرير الإستراتيجي للبيان إصدار 1425هـ , وكرر هذا المعنى ص 201 عندما قال : ” المحافظون الجدد – وإن كانوا يهوداً – لا يحبون أن يظهروا بهذا التصنيف , ولا يحبذون إدخال مفردات الدين ظاهراً في السياسة ” , والغريب أن الباحث نفسه وفي نفس البحث نقل عن أحد المحافظين الجدد عكس ذلك , وذلك في ص 202 بأنهم ” يضفون مسحة دينية عامة على شعاراتهم الفكرية وأطروحاتهم السياسية ” , ونقل في نفس الصفحة قريباً من هذا الكلام عن اثنين آخرين من المحافظين الجدد .
52) في ص224 أشار الباحث إلى ” الولع الطفولي ببعض الأفكار , ثم إلقاءها كالدمى كلما ظهرت تقليعة غيرها ” , وأنها طريقة غربية , ولا أظن ذلك صحيحاً على مستوى الأفكار والاستراتيجيات , وأذكره بكلامه ص 127 تعليقاً على المؤتمرات النسوية ونتائجها الخطيرة , وأن هذه النتائج ” تثبت أن تيار النسوية ليس مجرد نزوات فكرية , أو ( موضات ) ثقافية تلتهي بها النساء في بعض المناسبات الوقتية , وإنما أمرها أبعد من ذلك بكثير ” , وللأسف لم نعرف عن الغرب إلا الجدية والعمل والتخطيط والتصميم على بلوغ الهدف , ولا أزيد على ذلك حتى لا أزيد الأمة جراحاً على جراحها .
53) وذكر الباحث في ص 224 – 225 تحليلاً غريباً للفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة , ملخصه أن الحداثة ” تفصل بين المعرفة والموروث , وتعطي للمعرفة قيمة مستقلة بغض النظر عن أصلها وجذورها ومصدر ورودها ” , ولذلك فهي ” أوجدت مساحة لكل من يدعي إضافة للمعرفة بأن يدعو لنفسه حضارياً وقيمياً , وهذا ما لم يرضوه , ونشأ لأجل ذلك مفهوم ( ما بعد الحداثة ) وكأنه ناسخ لمفاهيم الحداثة ” , وأن مفهوم الحداثة الذي شرحه , سمح ” للكثير من الأيديولوجيات أن تعد نفسها مشاركة في صنع الحضارة الإنسانية , كالشيوعية والماركسية والماوية والبوذية والمسيحية والإسلام وغير ذلك . فالفارق إذاً , أن فكر الحداثة يعكس طبيعة الفلسفات الغربية الرامية إلى فصل العقليات عن الأيديولوجيات , وهو ما يفضي إلى العلمانية , بينما يدعو فكر ( ما بعد الحداثة ) إلى تسييد تلك الفلسفات الغربية وتعميم مبادئها وعولمة قيمها . وهنا نجد تقاطعاً بين أطروحات ( ما بعد الحداثة ) و ( نهاية التاريخ ) و ( صراع الحضارات ) و ( الليبرالية الجديدة ) و ( العولمة ) , حيث أن لفلسفة ( ما بعد الحداثة ) علاقة مباشرة في الإسهام في ولادة فكرة العولمة , بمعنى تعميم النمط الغربي بوجه عام , والأمريكي بوجه خاص , ليكون الغرب هو المنبع وهو المصب , هو الوسيلة وهو الغاية وكأن الليبراليين يقولون : هذا العالم بكل خيراته وتطوراته منا وإلينا ” , ويعيد ويبدي في هذا الخلط والتناقض ص 226 , ثم يختم هذا التحليل بقوله ص 226 – 227 : ” استمر رواج ( ما بعد الحداثة ) في بلاد الغرب طيلة العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين بدءاً من عام 1960 م , ولم يخفت الكلام عنها إلا ببروز فكرة ( العولمة ) في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم . وكان الغربيون قبل ( ما بعد الحداثة ) و ( العولمة ) قد هجروا فكر الحداثة وتمردوا عليه , لأنه يؤدي إلى اللاهوية , والقوم يريدون هويتهم , بل يريدون أن يجعلوها هوية فوق العالم كله , وهذا هو جوهر ما بعد الحداثة الذي انتقلوا إليه . لكن فكرة ( ما بعد الحداثة ) المتسمة بالعنصرية الاستعلائية لم تجد تجاوباً عالمياً , بل ضلت مضغة يجترها الغربيون وحدهم , ولا يستطيعون أن يفتنوا العالم بها كما فعلوا بالحداثة . وهكذا ينشق الغرب على نفسه كل حين ولا يثبت على حال , بسبب الذهنية الليبرالية المتفلتة . ولذلك بعد فشل ( ما بعد الحداثة ) في أن تصبح عالمية , برزت فكرة العولمة كي تعولم الأفكار الغربية بعجرها وبجرها , بحداثتها وما بعد حداثتها , بليبراليتها القديمة وليبراليتها الحديثة ” , فهل هذا التحليل صحيح ؟ , وهل هذا هو الفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة ؟ , وهل الحداثة متسامحة بالشكل والمفهوم الذي ذكره الباحث ؟ , وهل نجح الغرب أو فشل ؟ , لا ندري حسب تحليل الباحث , ولكن الحقيقة الصارخة هي أن هذه الأفكار والآليات كلها أفكار غربية تتطور من عصر إلى عصر , وكلها قديمها وحديثها تصب في المصلحة والهيمنة الغربية , وليس هناك كبير فرق بينها كما أصر الباحث بلا جدوى , بل إن فكر ما بعد الحداثة هو الذي يحاول أن يوجد مساحات – ولو محدودة – للثقافات المختلفة , وذلك خلاف ما صوره الباحث .
54) في ص 110 أشار الباحث إلى نسخ الإسلام للشرائع السابقة , وهذا صحيح , ولكنه أشار إلى أنها مرفوضة ومنسوخة ” ولو بقي منها بعض الصحيح” , والحق أن يقال أنها منسوخة حتى لو بقيت كلها صحيحة , ويشبه ذلك تعليقه على عودة الغربيين إلى الدين في الأزمنة الأخيرة , بقوله ص 75 : ” ولكن هيهات ! فقد أفسدوا ما كان يمكن أن يصلح آخرتهم من الدين بتحريفهم إياه , وأبقوا ما لن يصمد في إصلاح دنياهم التي ضحوا لأجلها بالدين ” , فهل لو لم يحرفوه سيصلح آخرتهم ؟ , بالتأكيد : لا , لأن أديانهم منسوخة بالإسلام حتى لو لم تحرف .
55) أشار الباحث ص 116 – 119 وكرر ذلك ص 171 , إلى محاولة الغربيين معالجة عيوب الرأسمالية عن طريق الاشتراكية المعتدلة , والسعي للعدالة والمساواة ومجتمع الكفاية وفكرة ( الطريق الثالث ) بين الرأسمالية المتوحشة والشيوعية المتسلطة , وهذا دليل على تميز الغربيين بالمراجعة الذاتية ومحاولة معالجة عيوب حضارتهم واقتصادهم ومجتمعهم , وهذا من أهم أسرار قوتهم وتماسكهم , ولعل ما يجري في معالجتهم للأزمة المالية التي ضربت اقتصادهم واقتصاد العالم معهم في العام الميلادي 2008 , ومبادرة الحكومات الغربية لدفع عشرات التريليونات من اليورو والدولار لدعم البنوك والأسواق والشركات , مخالفين بذلك أهم أسس الرأسمالية وهي حرية الاقتصاد وتقليص دور الدولة والدعوة لإلغائه , ولكن الباحث لم يشر إلى هذا الأمر وأهميته هنا إلا بشكل مختصر وهامشي , كما لم يشر إلى ذلك عندما بحث القضية السياسية لديهم , بل ركز على النواقص والعيوب وهذا مما يخل بالمنهجية العلمية , ولما أشار إلى بداية هذا التعديل ص 117 ذكر أن الكاتب السويدي ( تشيلد أركيونس ) هو أول من دعا في كتاباته إلى ( الطريق الثالث ) , بين ” الرأسمالية الليبرالية المتفلتة والشيوعية الاشتراكية الماركسية المتسلطة ” , ولكن أشهر داعية إلى هذا الطريق هو الفيلسوف والمفكر البريطاني الشهير برنارد شو , الذي انتمى للجمعية الاشتراكية الفابية الشهيرة وشارك في نشر أفكارها بفعالية وقوة , والذي كانت نتائجه ظهور حزب العمال البريطاني المعروف بتوجهاته الاشتراكية المعتدلة .
56) لما عالج الباحث قضية النسوية ص 120 – 133 أورد عدة معلومات حول هذه القضية يبدو أنها تحتاج إلى إعادة نظر , مثل الحديث عن ظهور مصطلح النسوية ” في القرن التاسع عشر ” ص 123 وتحديداً عام 1882 ص 120 , والمعروف أن هذا المصطلح لم يظهر إلا في زمن متأخر من القرن العشرين , ومثل القول بأن ” حق الاقتراع في الانتخابات ” أعطي للمرأة في بريطانيا ” بعد عام 1865 ” ص 122 وهو أكثر تأخراً من ذلك , ولعله عام 1922 م , وفي ص 125 حاول التفريق بين حركة تحرير المرأة والحركة النسوية , بينما هي امتداد لها وإن كانت أكثر تطرفاً منها , وهذا أمر طبيعي , ولما تكلم ص 128 عن تطرف الحركة النسوية التي وصلت في تطرفها إلى محاولة تأنيث كلمة الإله , وأشار إلى كلمة الإله في اللغة الإنجليزية , ولكنه وضع كلمة الرب فخلط بين الكلمتين .
57) في ختام حديثه عن دور اليهودية في أفكار الليبرالية ومبادئها وصل في غلوه في هذا الدور إلى القول ص 89 : ” إنني أعلم ـ والكثير يعلمون ـ أن عصر العلو اليهودي الأخير لم تكتمل معالمه بعد , وهو العصر الذي تكلم عنه القرآن بوضوح في سورة الإسراء , ولدي يقين بأن الفكر الليبرالي هو أخطر ما يوطئ لهذا العلو على المستوى العالمي , حيث يقوم – وسيقوم – بالدور الأكبر في تحطيم عقائد الأمم وأخلاقها . ونضيف إلى ذلك – ولو كره الليبراليون – القول : إن عصر ارتفاع اليهود وحلفائهم من النصارى المتهودين ( البروتستانت وغيرهم , هو العصر الذي يقود أو يمتد إلى عصر الدجال الذي حذرت منه كل الرسالات , على اعتبار أن الدجال يهودي وأمه يهودية , ويخرج من بلدة يقال لها : ( يهودية أصبهان ) ولذا فلا بد أن يسبق عصره حقب من ( الدجل ) العالمي , الذي يسهل مهمته . إن كل هذا يؤدي إلى نتيجة مفادها : أن ( الليبرالية ) هي منهاج الدجل , ودين الدجالين الممهدين للدجال الأكبر , حيث أن الدجاجلة سيكثرون قبله حتى يشيعوا الدجل في أرجاء العالم , حتى يكون الرعاع بعشرات أو مئات الملايين ممن سيسهل عليهم الاستجابة له ” , ومع أن كلام الباحث حول خطورة الليبرالية والمسيح الدجال صحيح لا شك فيه , إلا أن القول بأن عصر العلو اليهودي النصراني لم ينته , وأنه ” يمتد أو يقود إلى عصر الدجال ” , هو قول على الله بغير علم , فهو من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى , وهو تثبيط لهمم الدعاة والمجاهدين وجميع المسلمين , لأن اليقين باستمرار ارتفاع وعلو الليبرالية واليهودية , وامتداد ذلك إلى مجيء المسيح الدجال , وما يتبعه من مجيء المهدي وعيسى عليه السلام , يجعل العمل والجهاد لا قيمة له , لأن ذلك يعني استحالة الانتصار على هؤلاء ” العالين ” , ويعني عدم جدوى العمل ما دام عصر المهدي وعيسى بن مريم قد اقترب بحسب كلام الباحث , ثم بعد ذلك هل هذا الكلام ” يكرهه الليبراليون ” ؟ , أم أنهم يرغبون في شيوعه وانتشاره ؟ , والباحث يدرك أو يجب أن يدرك , أن من الخطأ ربط الليبرالية بهذا الأمر الغيبي للتنفير منها , لأن مشكلة الأمة مع الليبرالية أعمق وأكبر مما ذكره الباحث , وهناك وسائل كثيرة للتنفير من الليبرالية وما يتفرع عنها , ثم إن من الصفات البارزة للمسيح الدجال كما ورد في النصوص النبوية التي أخبرت عنه جبروته وتسلطه وديكتاتوريته .
58) في ص75 علق الباحث على اختيار الأوربيين من الدين ما يخدمهم في الدنيا , وترك ماله علاقة بالآخرة , بقوله : ” وللمفارقة العجيبة , فإن الذين لم يفهموا وظيفة الدين من المسلمين فعلوا عكس ذلك , فأخذوا من الدين شق التعامل الأخروي , وهجروا شق التعامل الدنيوي وتركوه , ظانين أن ذلك يحقق رضا الرب سبحانه وتعالى ! فكانت النتيجة ما نرى : تخلف عن الدنيا باسم الدين في أكثر بلاد المسلمين , واندفاع وارتفاع في أمور الدنيا على حساب الدين عند آخرين ” , فأولاً : ما نسبة هؤلاء وما أثرهم ؟ , وهل تشتكي الأمة من كثرتهم ؟ , وهل لهم أثر فعلي في التخلف الذي يشير إليه الباحث ؟ , وثانياً : من الخطأ الكبير أن تختزل أسباب تخلف الأمة قي سبب جانبي هامشي وتترك الأسباب الأهم , وهي أسباب كثيرة ومعقدة أهمها انعدام الإرادة السياسية , لا سيما أنه ذكر ذلك في سياق لا يستدعيه , وليس الباحث بحاجة إليه لإثبات الفكرة الأساسية التي يعالجها .
59) في ص 102 علل الباحث آراء جون هيك الليبرالية العلمانية عن الدين ونسبية الحق فيه وبشريته , باختلاطه ومعايشته لليهود والمسلمين في أوروبا وأمريكا , ورؤيته لأخلاقيتهم ” الإنسانية ” وروحيتهم ” العالية ” مع أنهم ليسوا نصارى , فبدأ يتساءل ” عن صيغ الجزم في العقيدة النصرانية بأن الخلاص والنجاة لا يأتيان إلا عن طريق غسل التعميد الكنسي ” , وبدأ يشك في ” وحدانية طريق الخلاص المسيحي ” , والسؤال هو : هل هو أول عالم لاهوت نصراني يختلط باليهود أو المسلمين ؟ , ثم إن مصادر أفكاره حول الدين موجودة في فكر فلاسفة أوروبا منذ عصر التنوير وإلى الآن , فهل يحتاج للاختلاط باليهود أو المسلمين ليطرح هذه التساؤلات والشكوك في النصرانية ؟ , والأهم من ذلك أن الباحث لم يحل على مصدر هذه الأفكار والتحليلات وهذا من شروط البحث العلمي الدقيق , وأخيراً فأين الأخلاقية الإنسانية والروحية العالية لدى اليهود , التي تهز عالم لاهوت نصراني وتزعزع ثقته بدينه وعقيدته ؟ .
60) في ص 115 علل عدم صلاحية ” الليبرالية بأنواعها ” للبلاد الإسلامية , لأنها كما رجح ” بروتستانتية المنشأ , يهودية الهوى والهوية , ساكسونية النزعة والعقلية ” , فهل هذه الليبرالية لو لم تكن كما رجح ووصف تصلح للأمة الإسلامية ؟ , أنا أجزم بأن الباحث لم يرد المعنى الظاهر لذلك , فهو من أفضل من يعلم أسباب رفض الإسلام والمسلمين لليبرالية بأنواعها , ولكنها زلة قلم توحي بعدم الاهتمام بالدقة العلمية والمراجعة الجيدة قبل النشر .
61) في ص116 بين الباحث تمرد الليبرالية الاجتماعية على جميع أسس الأخلاق التي بناها الدين في المجتمعات , ولكنه ضرب المثال على ذلك بخوض الليبراليين ” معارك عديدة في الغرب , ومن ضمنها الكفاح ضد الكنيسة لإباحة الطلاق الذي يحرمه المذهب الكاثوليكي ” , وهذا المثال من أبسط الأمور التي يمكن أن يضرب بها المثل لمعارك الليبراليين ضد الأخلاق , والأصل أن يضرب المثال بما هو أخطر من ذلك وأكبر , مما يتعلق بأصول الأخلاق التي هدمها الليبراليون , ثم إن خوضهم لمعركة الطلاق مما يحسب لهم لا عليهم , لأن تحريم الكاثوليك للطلاق مضاد للإسلام وللفطرة الإنسانية , ومن الغريب أن الباحث الذي يشير إلى جرائم هؤلاء وتمردهم ونسفهم للثوابت والأخلاق , يذكر ص 191 أن ” الليبرالية الجديدة لا تختلف عن الليبرالية القديمة إلا في الوسائل والأدوات ” , وأن هذه الليبرالية ” لم تتغير بل تغيرت آليات العمل بها ” , وأن الفارق بينهما ” شكلي ” لا يتعدى ارتباط القديمة بأوروبا والجديدة بأمريكا , وأن هؤلاء الأخيرين ” لم يضيفوا للفكر الليبرالي جديداً ” وكل ذلك ليس صحيحاً , والباحث في أكثر من موضع من بحثه هذا نقض هذا الكلام بل ونقض كلامه هذا بكلامه المذكور في هذه الفقرة .
62) أشار الباحث ص 121 إلى تأثر رجال الدين النصارى في القرون الوسطى في نظرتهم السيئة للمرأة بفكر ” أفلاطون ” ونظرته للمرأة , ولكن النظرة السيئة للمرأة ليست محصورة في أفلاطون بل هي موجودة في الفكر الفلسفي اليوناني كله وعلى قمته ” أرسطو ” .
63) في هامش ص 158 فرق الباحث بين القانون الطبيعي والوضعي , بأن الوضعي ” هو ما وضعه المشرعون من البشر لينفذ على شعوب معينة في أزمنة معينة وظروف معينة ” , وأن الطبيعي حسب واضعي هذا المصطلح ” هو الموجود في طبيعة الأشياء وفي فطرة البشر , وعلى الإنسان أن يكتشفه , فمصدره العقل المجرد , وغرضه حماية حقوق الفرد ” , ولا أرى أن هناك فرقاً بين القانونين لأن المشرعين الذين أشار إليهم , هم الذين استعملوا عقولهم واستخرجوا هذه القوانين وطبقوها على الناس , فخرجت من الوجود الخفي إلى الوجود الظاهر .
64) في ص 136 أشار الباحث إلى أن الليبرالية الجديدة التي يروج لها هنتنجتون وفوكوياما والأصولية الدينية الإنجيلية في الغرب ” تضيف تهديداً جديداً لمفهوم الدولة القومية ومن ثم مفهوم المواطنة ” , وضرب مثالاً على ذلك بانتقاص حقوق المواطنة ” لكل من المسلمين والعرب في بلاد الغرب ” بعد هجمات سبتمبر 2001 , ولا أدري ما الذي يعنينا من هذا التهديد لمفهوم الدولة القومية والمواطنة ؟ , وما علاقته بموضوع البحث أو سياق الكلام ؟ , ومتى كان الغرب يحفظ الحقوق الأساسية لغير بني جنسه ودينه ؟ , لا سيما إذا شكلوا تهديداً لمبادئه الضالة كالأقليات المسلمة هناك . وللعلم فالمفهومان اللذان ذكرهما الباحث من أهم وأعمق المفاهيم التي يؤمن بها الغربيون ويدافعون عنها هم وأتباعهم في بلاد المسلمين , فلا خطر عليهما من أي فكرة غربية جديدة أو قديمة .
65) كثرت في البحث كلمات فيها الكثير من الأوصاف التي لا تطابق الواقع , مثل ” الديكتاتور الديمقراطي الأحمق ” عن جورج بوش ص 165 , ومثل ” المهزوم ” عن دونالد رامسفيلد ص 208 , و ” المهزوم ” توني بلير ص 209 , و” زعيم المهزومين ( بوش ) ” ص 210 , وهي كلمات لا ضرورة لها في بحث علمي يفترض فيه الدقة والحيادية , ثم أليس من العجلة إطلاق مثل هذه الأحكام والصراع لا زال في أوجه , ومن المبكر الجزم بهذه النتائج التي لم تتحقق على أرض الواقع .
66) أثناء حديث الباحث عن حرب الأفكار بيننا وبين عدونا الكافر وأعوانه , أفادنا بأنه ” لا يكاد يصدق ” ضخامة الإمكانات التي ” رصدت ولا تزال ترصد لإدارة حرب الأفكار ” , ولا أدري ما الذي يمنعه من التصديق ؟ , ويستغرب ” كيف صدق الأمريكيون وغيرهم من اليهود والنصارى أنفسهم في أنهم يمكن لهم أن يغيروا ديننا كما غيروا دينهم ” , ص 213 , فهل هم يطمحون في تغيير ديننا فعلاً كما غيروا دينهم ؟ , لا أظن ذلك , بل هم يريدون تغيير المسلمين أنفسهم وإخراجهم من الإسلام , ويدل على ذلك الآية التي استشهد بها الباحث ” ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ” , وهدفهم الواضح هو تغيير الأجيال وقد نجحوا في ذلك بنسب مختلفة من بلد إلى بلد ومن زمن إلى زمن آخر ولأسباب كثيرة , وثقتنا بأنفسنا وديننا التي أشار إليها الباحث , لا تمنع ولا تنفي انحراف عدد من المسلمين قلوا أو كثروا عن دينهم جزئياً أو كلياً , ويظهر أن الباحث قد تفاءل أكثر من اللازم في نظرته لمستقبل الصراع الفكري والعقدي بيننا وبين عدونا , عندما أشار إلى بوادر تدل ” على الهزيمة الأمريكية والغربية في حرب الأفكار ” ص 219 , فهذا تعجل في الحكم على نتائج هذا الصراع المستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها , بل إن كل الدلائل الواقعية والنصوص التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على غير ما أشار إليه الباحث من التفاؤل الذي لا دليل عليه , ولا يعني هذا أن يصيبنا اليأس والإحباط , بل علينا أن نعرف الواقع كما هو , ونعد للأمر عدته من جميع الجوانب , ونسعى لاستنقاذ من أراد الله سبحانه نجاته من أجيال المسلمين .
67) في هامش ص 194 نقل عن أحد الزنادقة الليبراليين وهو شاكر النابلسي بعض أفكاره الشاذة , وعلق على ذلك بالقول : ” ماذا بقي بعد هذا التقيؤ الليبرالي الصهيوني ؟ ” , ويقال له بقي الكثير مما يتجاوز ما قاله النابلسي بكثير , مما ينشر في وسائل الإعلام المختلفة كل يوم .
68) في هامش ص 79 تكلم الباحث عن مغالاة فلاسفة التنوير المتقدمين في ” تقديس العقل المجرد , بوصفه مصدراً وحيداً للمعرفة ” , وأن من جاء بعدهم من الفلاسفة ” اعترضوا ” على ذلك , وذكر جون هوك وديفيد هيوم وجورج بركلي , وأكد على أن كانت ” كان أبرز المعترضين على تلك المغالاة ” , وذكر كتابيه الشهيرين : نقد العقل الخالص و الدين في حدود العقل , وأن كانت في هذين الكتابين ” رد الاعتبار إلى الكثير من عقائد الدين الغيبية , وتابعه على ذلك الفيلسوف نيتشه , وهو ما أدى إلى تغيير الخريطة الذهنية للفكر الأوروبي ” , فهل فعلاً تغيرت الخريطة الذهنية للفكر الأوروبي باتجاه إعادة الاعتبار للدين ؟ , بالتأكيد لا , بل تغيرت نحو تهميش الدين وإزاحته عن التأثير في الحياة أكثر من ذي قبل , أما كانت فقد أقر للدين بدور العزاء الروحي فقط , وضبط حركة المجتمع , ودعا إلى حصر الدين داخل ذات الإنسان فقط , وأنه تجربة شخصية بشرية , فكيف يقال عنه أنه أعاد ” الاعتبار إلى الكثير من عقائد الدين الغيبية ” ؟ , أما نيتشه فهو أبعد الناس عن ذلك , ويكفي أنه صاحب فكرة ” موت الإله ” , تعالى الله عن ذلك .
69) هناك بعض الملاحظات الفنية والطباعية , وعدم التدقيق في المعلومات التي تؤثر على فهم المقصود وينبغي الاهتمام بها , ففي ص 41 – 43 – 44 أشار الباحث إلى مؤتمر نيقية الذي دعا إليه قسطنطين ملك روما المتنصر , وسجل تاريخ انعقاده سنة 523 للميلاد في الصفحتين الأوليين , وصحح ذلك في الصفحة الثالثة سنة 325 للميلاد , وفي هامش 43 حددت ولادة أريوس بعام 72 للميلاد , وأريوس كما ذكر الباحث معاصر للملك قسطنطين صاحب مجمع نيقية الشهير وذلك في بدايات القرن الرابع الميلادي , وفي ص 79 ذكر الباحث أن فلاسفة التنوير كانوا ” فعالين ” في تقديس العقل , والصحيح هو ” مغالين ” , وفي ص 102 – 103 ترجم الباحث للرومي الصوفي , وذكر تواريخ ميلاده ووفاته بالهجرية وحددها بسنة 1207 – 1273 , وهذه التواريخ هي فعلاً بالميلادية , فقد توفي الرومي عام 673 للهجرة , وفي ص 105 ذكر الباحث مجلة ” ناشيونال رينيو ” وأظنها ” ريفيو ” , وفي ص 114 جاءت جملة ” حتى نختار كما احتاروا ” , وهي ” نحتار ” , وفي ص 126 ذكر الباحث حواراً مع بعض النسويات في موقع إسلام أون لاين , ولم يحدد مع من هذا الحوار , وبعد ذلك مباشرة نقل كلاماً للدكتورة كاميليا حلمي , وهي مثقفة مسلمة فاضلة , وأشار في الهامش إلى أنه من كلام الكاتبة الجزائرية العلمانية ليلى العيساوي في موقع تحالف النساء العلماني , مما يدل على أن حوار الدكتورة حلمي هو الذي نقل عن موقع إسلام أون لاين , وليس ” بعض النسويات ” , وفي ص 170 ذكر الباحث كتاب آدم سميث الأول عن ” نظرية الشعور الأخلاقي ” الصادر عام 1959 , والصواب هو عام 1859 , وفي ص 175 تكلم الباحث عن الرأسمالية القاتلة , وأنها ” تعمل دون قصاص منذ قرون في خمس قرارات ” , والصحيح هو ” قارات ” , وفي ص 179 ذكر أن مدة استمرار الحرب العالمية الثانية هو خمس سنوات , وفي الواقع هو ست سنوات , وفي ص 181 ذكر الباحث أن ضحايا الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي بعد الحرب العالمية الثانية هو ستة ملايين , ولكن إحصائية لأحد خبراء هيئة الأمم المتحدة توصلها إلى خمسمائة مليون , وفي ص 183 ذكر الباحث أن حرب تحرير الجزائر بلغ ضحاياها ألف ومائتا قتيل , والرقم كما هو معلوم لا يقل عن مليون قتيل , ولما تكلم عن جهودهم في اختراق حصوننا , والميزانيات التي يرصدونها لذلك , ذكر أن ما رصد لمعهد الشرق الأوسط يصل إلى ” مليون دولار سنوياً ” , وهو مبلغ قليل لمعهد ضخم مثل هذا المعهد , وفي ص 241 ذكر أن نسبة البترول من الطاقة العالمية هي 41 , 9 % , بينما هي 9 , 41 % .
70) وأخيراً فالكتاب يحمل رسالة سامية أتفق مع مؤلفه الفاضل في أهدافها , وهي تحذير الأمة من الليبرالية في مبادئها و أصلها ومنشأها , وفي فروعها وأصولها , وفي جميع أنواعها وتطبيقاتها المختلفة جزئية كانت أو شاملة , ومدارسها القديمة والجديدة , وفي جميع نسخها المنقولة إلى بلاد الإسلام , مهما اتخذت من الأسماء والعناوين , ومهما حملت من اللافتات المزيفة الخادعة , وأعتقد مخالفتها لأصول الإسلام وفروعه وثوابته كلها , ولم أقصد في هذه القراءة أن أرد على المؤلف في هذه القضايا , بل أنا معه قلباً وقالباً في مقصد الكتاب الأساسي , وأؤيده في مجمل آرائه التي وردت فيه , وهدفي من هذه القراءة هو مناقشة بعض الآراء التي أختلف مع الكاتب فيها , وهي في غالبها لا تخرج عن بعض المعلومات التي تختلف فيها الآراء , وبعض الأفكار التي أرى أن الكاتب قد أخطأ فيها , فحاولت التسديد والتصويب حسب علمي , فإن كانت صواباً فمن توفيق الله وعونه , وإن كانت خطأ فمني ومن الشيطان , ولكني لا أخرج فيها عن الأجر والأجرين , ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والتسديد والإخلاص في القول والعمل والاعتقاد , وموافقة السنة في كل الأحوال .
وإني آسف وأعتذر عن أي لفظة خارجة عن حدود الاحترام والأدب والخلق الإسلامي , مهما بدت قاسية ومؤلمة , لأن دافعها هو البحث عن الحق الذي يجب أن يكون رائدنا جميعاً , والحرص على أن تكون البحوث العلمية في مؤسساتنا الإسلامية في أعلى درجات الدقة والإتقان والسلامة من الخلل , لا سيما وهي تعرض على كافة العقول والمشارب والاتجاهات , وفي هذه الأحوال المضطربة فكرياً التي ظهر فيها مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن ” إعجاب كل ذي رأي برأيه ” , وأصبح الإسلام نفسه هدفاً لكل ناعق وموتور حاقد , فازدادت الحاجة إلى البحوث العلمية المتقنة , وبالتحديد في مثل هذه القضايا الملتبسة التي سرقت العقول والقلوب , وأصبحت مجالاً للطعن في الإسلام والمسلمين , وتصيد أخطاء العلماء والباحثين وطلاب العلم وإبرازها , واتخاذها ذريعة للطعن في الإسلام نفسه , فوجب على شداة العلم في الأمة وقادة الفكر فيها , أن يكونوا أكثر اهتماماً وحرصاً في كل ما يقولون ويفعلون وينتجون من كتب وأبحاث , حتى لا يؤتى الإسلام من قبلهم , ولأن سمة الإتقان في العمل من سمات المسلم , ويكفينا في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ” , فلهذا كله وجب علينا التناصح وتسديد بعضنا , وترك المجاملات جانبا ,ً والمؤمن مرآة أخيه المؤمن , كما أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم , والله الهادي إلى سواء السبيل.

 

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

موقعك الإلكتروني

أكتب تعليقك