الحضارة لمن : الإسلام أم الغرب

20 أكتوبر، 2016 1324 عدد الزوار

بسم الله الرحمن الرحيم
(الحضارة لمن: الإسلام أم الغرب؟!)
الشيخ/ خليفة الخزي

المصدر: منتديات الدكتور الشيخ فهد بن سعود العصيمي، الرابط التالي:
http://www.22522.com/vb/showthread.php?t=43812

هو مصطلح مأخوذ من الاستقرار الذي هو ضد البداوة والترحال.
فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا.

ثم تطور هذا المصطلح فأصبح ذا معنى عميق وإن كان امتداداً لمعناه الأصلي. ومشكلتنا مع هذا المصطلح ليست في معناه الأصلي وكيف تطور، ولكنها في التعريف الحديث للحضارة واحتكار مفهومها لأمة معينة ونفيها عن الآخرين جملة وتفصيلاً، واتباع عدد كبير ممن ينتسب للأمة لهذا المفهوم وترديده وتكراره والإصرار عليه والبحث عن الأدلة “بالمناقيش” لإثبات ذلك إلى درجة أن أحدهم في جريدة الرياض في مقالين مسلسلين ردد الزعم بأن العقل العربي غير قابل للعلم لأنه ـ

حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي “لالاند” ـ ليس مؤهلاً للتفلسف نظراً لمغايرة نظام العلاقة التي يقيمها هذا العقل ـ وفقاً لقواعده ومبادئه الثقافية ـ لأهم عنصر يتوقف عليه فعل التفلسف الصحيح وأعني به “نظام العلاقة المباشرة بين العقل والطبيعة..” وبعد أن أثنى على نظام العقل الغربي ومجده قال: أما في العقل العربي فالعلاقة بين العقل البشري والطبيعة علاقة غير مباشرة، وهذا يعني أنه لكي يفسر هذا العقل أحداث وظواهر الطبيعة فلا بد له من واسطة يعبر بواسطتها إلى ذلك التفسير” (الرياض 28/11/2006) وقصده بالواسطة كما وضح في نفس المقال هو الله جل جلاله “التي تتكئ على الزاد الثقافي أكثر من شيء آخر” ثم كذب على الأمة وثقافتها وجاء برأي الأشاعرة والأشاعرة فقط بنفي السببية وجعله هو رأي الأمة.

وجعل من أسباب عدم قابلية العقل العربي للعلم هو “الاعتقاد الذي يستنبطه العقل العربي بحكم منظومة القيم والقواعد التي ينطلق منها ينزع بطبيعته إلى إخفاء اليقين والوثوقوية على كافة ما يتعامل به من آراء ونظريات وأفكار ورديات، وليس شيء أشد عليه من النزعة الشكية أو الاحتمالية…” (المصدر السابق) وهو كلام واضح في إيضاح مقاصده بزعمه بالعلاقة غير المباشرة بين العقل العربي والطبيعة ووجود “واسطة” بينهما. وهذا كاف لبيان خطورة تحرير مفهوم الحضارة إلى مفهوم معين لأمة معينة هي “المتحضرة” ومن عداها “فليس بمتحضر” بل وليس مؤهلاَ لذلك، وليس لديه قابلية للحضارة.

ولكن رأينا ما يردده شيخ هذا المتحذلق المتشبع بما يسمى فيه في جريدة الرياض أيضاً في عدد قديم نسبياً حول الدوران الحضاري الذي لم يستطع الخروج منه من كل الأمم والشعوب قديمها وحديثها إلا اليونان والغرب ورأيه في أن التخلف وإن لم يكن جينياً وراثياً ولكنه في ثبوته واستقراره لا يختلف من الثبات الجيني بل إن هذا الشيخ أو تلاميذه وشيوخه صرحوا بكلام لا يقبل الجدل بأن الحضارة الحقيقية هي الحضارة الغربية فقط وفقط ولا مجال للمساومة بهم والأخذ والرد في هذه القضية بل إن هذا الشيخ لما قيل له من محاوره بأن هذا “انبهار” بالغرب نفى ذلك وقال هي حكاية وذكر للحقيقة والحقيقة فقط.

فما هو مقياس التحضر والحضارة لدى هؤلاء لنعرف ماذا يريدون؟ هل هي الماديات والتقدم العلمي؟ هل هي الديمقراطية والنظام السياسي الغربي؟ هل هي الفكر والثقافة والخلفية الفلسفية الملحدة للتقدم الغربي؟

أما التقدم المادي والعلمي فليس هناك عاقل أو مجنون يجادل بأن الغرب بهذا المفهوم “متحضر” بل “متجاوز” لغيره كثيراً في هذا المجال وأما الديمقراطية والنظام السياسي فلا شك أن نظامهم هو أفضل نظام توصل إليه البشر بدون الهداية الدينية النبوية مع وجود خلل ونواقص كثيرة فيه ليس هذا مكان مناقشتها ولكنه لا يقارن مطلقاً بالنظام الشوري الإسلامي الحقيقي الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه الراشدين.. أما ما حصل بعد ذلك فهي أنظمة تقترب وتبتعد عن النظام الإسلامي ويٌحكم عليها من خلال الإسلام ولا يٌحكم على الإسلام من خلالها ولا يجوز محاكمة الإسلام من خلال أخطاء المسلمين مهما كانوا، ولعل الخبر النبوي بأن عرى الإسلام تنقض عروة عروة فأولها نقضاًَ الحكم… له دلالته في إيضاح الحق والحقيقة حول هذا الموضوع.

وأما الفكر والثقافة والخلفية الفلسفية فالغرب متخبط لا يدري أين يذهب وقد جرب كافة الفلسفات والأنظمة والآراء والأفكار إلى حد التناقض الصريح بين رأي ورأي وفلسفة وفلسفة وثقافة وثقافة، ولا يزال يجرب وسيظل يجرب بدون الوصول إلى نتيجة حاسمة، وهذه طبيعة الفكر البشري المنفصل عن الوحي الإلهي، وأنا أطلب من هؤلاء المفتونين أن يأتونا بقضية ثقافية فلسفية فكرية كبيرة أو صغيرة وصل الغرب فيها إلى حل حاسم وفكرة واضحة ولن يستطيعوا، بل إنهم اختلفوا في البديهيات التي لا يختلف عليها عقلاء البشر في أي زمان ومكان؛ بل إن بعض فلاسفتهم يشكك حتى في نتائج العلم المادي الملموس.

إذن ماذا يريد هؤلاء ـ ومن قبلهم إخوانهم من العلمانيين الصرحاء؟ إنهم يريدون نقل الحضارة الغربية بكافة أجزائها ومكوناتها على طريقة “طه حسين” ما يحمد منها وما يذم؛ بل قد زعموا أن أكبر أسباب فشل التقدم العلمي في بلاد المسلمين هو الفصل بين التقدم العلمي وخلفيته الفلسفية والفكرية والثقافية فالحضارة الغربية في رأيهم “كل لا يتجزأ” إما أن نأخذه كله أو ندعه كله، ولما قال ذلك أحد المفكرين المسلمين “خذوا الإسلام جملة أو دعوه” قامت الدنيا ولم تقعد من قبل أساطين النفاق والخذلان.. فأيهما أولى بأن يؤخذ جملة: الإسلام أم حضارة الغرب؟

ثم إذا رجعنا إلى تعريف الحضارة وأنها احترام الإنسان فهل لحضارة الغرب نصيب من ذلك؟ لن نذهب للبحث عن أدلة عدم احترامهم للإنسان الآخر فهي أشهر من أن تذكر ولا تحتاج لباحث مدقق بل تحتاج إلى عاقل متبصر يقرأ ويبحث ليرى الهول الهائل في انعدام احترام حضارة الغرب لإنسانية الإنسان الآخر.

وإضافة إلى ذلك فكثير من فلاسفتهم ومفكريهم يشتكون من أن حضارة الغرب “شيَّأت” الإنسان، أي جعلته شيئاً وأهدرت كرامته عندما جعلت المصلحة والمنفعة الذاتية المحدودة هي هدف الإنسان وعندما طغت الآلة على الإنسان وجعلته ضئيلاً حقيراً، ولهم في ذلك البحوث الكثيرة والمسرحيات والأفلام التي تصور ذلك.. فمن هو المتحضر إذا ومن هو المستحق لمصطلح الحضارة؟

أليس هو الإسلام في تطبيقه الصحيح التام في عهد النبوة والخلافة الراشدة وفي تطبيقاته الناقصة المقصرة التي جاءت بعد ذلك؟ وذلك بصرف النظر عن كل النقاط السوداء في تاريخنا والتي لا ننكرها بل ندعو إلى إيضاحها وبيانها وأخذ الدروس والعبر منها وكيف حصلت حتى لا تتكرر والله المستعان.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

موقعك الإلكتروني

أكتب تعليقك