هؤلاء أبي.. فمن آباؤكم؟ كتبه: محمد بن خليفة الخزي

21 مارس، 2017 1919 عدد الزوار

هؤلاء أبي.. فمن آباؤكم؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: منذ وفاة والدي فضيلة الشيخ خليفة بن بطاح الخزّي –رحمه الله- فجر يوم السبت الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك من عام 1436هـ ورغبتي تزيد يومًا بعد يوم في كتابة أو قول ما لديّ عنه وأنا ابنه البكر وأقرب الناس إليه طيلة ما يقرب 35 عامًا هي فترة وعيي به أبًا ومربيًّا وناصحًا وصديقًا وقريبًا وأخًا وجزءًا أصيلًا من روحي وعقلي حتى ليخيّل إلي في أحيان كثيرة أنه أنا وأنني هو. كنت ولا أزال أعتقد جازما أنني الأقرب إليه –رحمه الله- والأكثر معرفة به خلْقًا وخُلُقًا، طبعًا وسجية، التزامًا وجدية، عزمًا وتخليًّا عن متاع الدنيا، ومهما قيل وسيقال عنه يبقى ما ظهر من سيرته أقل مما خفي، وما بان منها أقل مما اتضح، وما عُرف عنه لا يُقارن بما لم يُعرف.

لكنّ رغبتي بتناول ما خفي من سيرته –رحمه الله- ظلت حبيسة صدري، وأسيرة وجداني، ولم تتحول إلى واقع لا بقول بمجلس خاص أو عام، ولا بكتابة في وسائل الإعلام أو بمنبر من منابر الكتابة الاجتماعية،  إذْ لم أتمكن على الرغم من محاولاتي المتكررة من أنْ أنبس عنه ببنت شفة، ولا طاوعني قلمي بخطٍّ يحكي ما أود سرده في سيرة حياته العجيبة الخالصة تمامًا وبشكل كلّي لوجه الله تعالى. كنت أستحضره –رحمه الله- في كل حين وأُسائل نفسي؛ هل سيرضى عما أقول أو أكتب؟ وهل سيتّسق ما أريد التعبير عنه مع رغبته في إخفاء حسناته عن الناس وتركها خالصة لوجه الله؟ وكانت الإجابة تأتي كل مرة بأنْ لا، ليس هذا ما يريد، فأقف وأصرف نظري عن الفكرة برمتها.

ومع تصرّم الأيام والأشهر والسنوات، وجدت موقفي هذا يتخلخل، بعد أن تيقنت بما لا يدع مجالا للشك أن والدي لا يمثل نفسه، ولا أسرته وعائلته، وإنما يمثل أنموذجًا أحمل أمانة استكمال صورته لأهله وأصدقائه وزملائه ومحبيه وللناس جميعًا لأقول: هكذا كان أبي –رحمه الله- ليس بذاته، وإنما بنهجه الذي سار عليه، وخطّه الذي اختطّه لنفسه، وطريقه الذي مشى فيه، ومشروع حياته الذي أخلص له ومات عليه، وهو بذلك ليس خليفة بن بطاح الخزي  فحسب بل كل مشايخه ورفاق دربه وطلابه من قضى نحبه منهم ومن ينتظر، خليفة هم وهم خليفة، هؤلاء أبي.. فمن آباؤكم؟

أقول بإيجاز وفي الإشارة ما يغني عن العبارة؛ إن مما لفت انتباهي منذ طفولتي في والدي –رحمه الله- أن شخصيته شفّافة واضحة واحدة لا تتغير ولا تتبدل، وأن مبادئه التي ارتضاها لنفسه هي في سره تماما كما في علنه، وكثيرا ما استشارني أهلي في قضية من القضايا الاجتماعية وغيرها طالبين أخذ رأيه فيها فكنت أستبق وجهة نظره بشرحها لهم قبل عرضها عليه؛ إذْ المقياس الثابت لديه مدى موافقتها لأوامر الله تعالى ونواهيه، فما وافقها مقبول ومرحب به، وما خالفها مرفوض ومردود، هذا أمر محسوم بالنسبة إليه ولو اجتمع عليه أهل الأرض.

كما لم يكن غضبه –رحمه الله- ولا رضاه، إلا فيما يغضب الله تعالى أو يرضيه، إذْ لم ألحظ يوما ما غضبة أو رضا منه في أمر دنيوي خاص أو عام مما يغضب أو يرضي معظم الناس، فهو يغضب أشد الغضب حتى أننا نخاف عليه إذا لاحظ منا أهل بيته ما لا يرضي الله، ويرضى رضا غامرا حتى أنا نظن أنه لن يغضب بعده أبدا إذا رأى منا ما يرضي الله.

ومما يدعو إلى العجب لديه رحمه الله قدرته الفطرية على الفصل بين غضبه ورضاه؛ حيث يغضب أحيانا ثم بعد أن يتأكد من بلاغ رسالته ووصولها إلى صاحبها يتحول مباشرة إلى ابتسامة عريضة وسعادة غامرة يعبر عنها بمداعبة طفل أو شاب أو فتاة وسؤال له عن حاله واطمئنان منه على دراسته أو عمله وما شابه ذلك، والعكس صحيح، إذ تتفاجأ وهو يمازح هذا أو ذاك بتغير حاله وتنبيهه بصرامة على مخالفة شرعية رآها، ما يؤكد لي وقتها أن غضبه ورضاه لا يكونان لهوى أو مشاعر ذاتية، بقدر ما كانا لله. وهذا ديدنه مع الآخرين؛ فهو لا يغضب على أحد أو يرضى عنه إلا بمقياس واضح وثابت لم يحد عنه لحظة واحدة طيلة حياته؛ هل يُغضب الله أم يُرضيه؟ هكذا كان في أدق تفاصيل حياته الخاصة، وأعم رؤاه في حياته العامة.

 

وقد كنت أتتبع مواقفه –رحمه الله- بعد التغييرات التي طرأت على المجتمع السعودي مطلع القرن الحالي، والهجمة الشرسة التي تعرض لها هذا البلد الطيب تغريبا وإفسادا وما واكب ذلك من انحرافات عقدية وفكرية وأخلاقية طالت حتى بعض طلبة العلم وأهل الخير، فلم أجده إلا ثابتا كالطود لا يتزحزح، وكلما سألته عن موقف أحدهم قال: يُعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، بيننا وبينهم الدليل. وتبعا لذلك فقد كانت علاقته بالآخرين محكومة بهذا المنطق.

ومما رأيته من خُلُقه رحمه الله وأُشهد الله عليه أن المسلمين جميعا إخوته وأهله، يظهر ذلك جليا في ألمه وحزنه بسبب مصائب المسلمين وحزنهم، واستبشاره وسعادته بسبب استبشارهم وسعادتهم، بدءًا من جيرانه وأبناء مدينته الرس، والسعودية، والمسلمين في كل زمان ومكان. من ذلك حوار دار بينه وبين أحد إخواني قبيل وفاته حول الفتنة التي جرت بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقد كان الحوار في لحظة تمكن منه المرض حتى أن الكلمات تخرج منه بصعوبة بالغة، في هذا الحوار تجلى حزنه على ما شجر بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم يتجلّ من قبل، فتحشرج صوته واغرورقت عيناه، وهي الدموع التي أبت الخروج يوم موت والدته وأخته وأخيه رحمه الله ورحمهم أجمعين.

لم يكن للمشاعر الذاتية مكان في قاموس أبي –رحمه الله- يتضح ذلك أكثر ما يتضح في المناسبات الخاصة؛ فإن تحقق لأهل بيته ما يستحق التهنئة بارك بدعائه الموجز المعروف لدينا (اللهم اجعله عونا لك على طاعته)، وإن حدث ما يحزن قال (لاحول ولا قوة إلا بالله)، ثم ينتهي كل شيء حتى نظن أنه لم يفرح ولم يحزن. على النقيض من ذلك حاله مع أفراح المسلمين وأحزانهم في كل مكان، فهو يُسرّ سرورا بالغا، ويحزن حزنا شديدا.

وكان رحمه الله زاهدا بكل ما تحمله مفردة الزهد من معنى، يظهر ذلك لنا أسرته جليا في محافظته على طريقة لبس محددة لا تتغير إلا بالجديد الذي لا يكون إلا بعد بلى القديم، ثوب أبيض وشماغ وحذاء –أجلكم الله- في فصل الصيف، يضيف إليها معطف في فصل الشتاء، أما المأكل والمشرب فهو بما يقيم الأود لا يزيد عليه، وكان يحرص على تنبيهنا في المناسبات على عدم الإسراف ويحذرنا منه ومن شره. هكذا كان، ليس لسنة أو سنتين وإنما نهج التزم به أكثر من ستين عاما.

وإن أُخذ على والدي –رحمه الله- شدته في بعض المواقف والمواضع فإن ما أشهد الله عليه أن تلك الشدة لم تكن سوى دين يدين الله به، وكثيرا ما حاورته عنها على وجه الخصوص فكان رده يأتي دائما على شقين؛ أن شدته بشكل عام مع المتساهلين والمستهترين والمتلاعبين بدين الله منهج شرعي مقصود. وأما الشدة الطبعية فهي مما لا ينكره ويسأل الله عليها وعلى غيرها العفو والمغفرة.

في الختام لابد من الإشارة إلى أن والدي –رحمه الله- أفنى عمره؛ منذ نعومة أظافره، مرورا بشبابه، وانتهاء بشيخوخته، على الاستعداد والعمل ليوم لقائه ربه، إذ كانت حياته بأدق تفاصيلها وأعم أمورها مكرسة لخدمة دين الله، فهو منشغل بذلك مهموم به مندفع بأقصى طاقته إليه، وأستطيع القول دون مواربة: لقد كان أعجوبة ملأتني دوما بالتساؤل عن هذه القدرة الرهيبة على التخلي عن مباهج الحياة والاتجاه بعقله ومشاعره وطاقته كلها في سبيل تحقيق هدفه؛ الدفاع عن الدين وكشف المتآمرين عليه في كل مكان.

إن ما دعاني لقول ما قلته عن أبي –رحمه الله- أن سيرته وإن كانت سيرته، فهي إضاءة على سيرة مشايخه ورفقاء دربه وطلابه، وهي بهذا المعنى شهادة حية –بالنسبة لي- على إخلاص القوم وتفانيهم وعزيمتهم التي لا تلين وعملهم الدؤوب لإصلاح أنفسهم ومجتمعهم، وصدقهم –وهذا بيت القصيد- وتماهي سريرتهم مع علانيتهم، وتجردهم من كافة المصالح الدنيوية والرغبات الحياتية إلى ما هو أسمى وأجل. هؤلاء أبي.. فمن أباؤكم؟

 

محمد بن خليفة الخزّي

22-6-1438

التعليقات

إبراهيم السليمان

غفر الله الشيخ خليفه ووالدته وأخته وأخيه وأسكنهم قصور الجنة وجمعنا وإياهم بمستقر رحمته.

23 مارس، 2017
عبدالرحمن الخزي

رحمك الله ياعمي الغالي وأسكنك فسيح جناتك …كان الجميع يحرص على الجلوس معه وحضور اجتماعاته لينهلوا من علمه…
رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح الجنة

14 ديسمبر، 2019
عبدالرحمن الخزي

رحمك الله ياعمي وأسكنك فسيح جناته وجزاك عن الأمة خير الجزاء

14 ديسمبر، 2019

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

موقعك الإلكتروني

أكتب تعليقك