كيف يُقرأ التاريخ الإسلامي

20 أكتوبر، 2016 1510 عدد الزوار

بسم الله الرحمن الرحيم
كيف يُقرأ التاريخ الإسلامي

أولاً : أهمية التاريخ في حياة الأمة:
أ- تاريخنا هو ديننا.
ب- اهتمام الأمم الأخرى بتاريخها إلى درجة تزييفه (تاريخ أمريكا) كمثال.
ج- إهمال الأمة الإسلامية لتاريخها في عصرنا الحاضر واعتمادها على كتابات المستشرقين الحاقدين وأذنابهم (نماذج من الأخطاء الفاحشة في تاريخنا الذي يُدرس في مدارسنا) التركيز على المعارك والفتن، تمجيد الأعداء مثل اثبات بطولة المستكشف ماجلان، وكيف قتله المتوحشون! في الفلبين، بينما في الحقيقة أن الذي قتله هم المسلمون، قضية التحكيم بين علي ومعاوية رضى الله عنهما.
د- عناية سلفنا الصلح بالتاريخ وتدوينهم له ومتابعتهم لأحداثه (مغازي عروة – مغازي الزهري).

ثانياً : كيف يُقرأ التاريخ الإسلامي.
أ/ لابد من استخدام منهج وضوابط علم الحديث في التاريخ [نقد السند]، لاسيما في رد الروايات التي تسيء إلى سلفنا الصالح، وهذا هو رأي المؤرخين الثقات ومنهجهم قديماً وحديثاً، لأن كُتب التاريخ مليئة بالأخبار والروايات المتناقضة، وبعضها يسيء إلى سلف الأمة، وهذا المنهج هو الذي يريح الأمة من كذب الكذابين وروايات المتناقضين، وننقل هنا قول الإمام ابن العربي في العواصم (وقد بيَّنتُ لكم أنكم لا تقبلون على أنفسكم في دينار بل في درهم إلا عدلاً بريئاً من التهم، سليماً من الشهوة، فكيف تقبلون في أحوال السلف وما جرى بين الأوائل من ليس له مرتبة في الدين، فكيف في العدالة)!
ب/ نقد المتن بعد نقد السند من ناحية تاريخ حصوله ومعقوليته، وقد طبَّقَ مؤرخ الإسلام الإمام الذهبي هذه الطريقة في نقد رواية قصة الراهب بُحيرا مع النبي  وهو في الشام مع عمه مع ثبوت سندها نقدياً وهي في الترمذي وغيره، عندما قال تعليقاً عليها (وهو حديث منكر جداً، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله  بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن وُلِدَ بعد، وأيضاً فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل في الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نَرَ النبي  ذكر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته لأولئك الأشياخ مع توفرهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيَّما اشتهار ولبقي عنده  حُس من النبوة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولاً بغار حراء وأتى خديجة خائفاً على عقله … وأيضاً فلو أثَّر هذا الخوف في أبي طالب وَرَدِّه كيف كانت نفسه تطيب أن يُمكنه من السفر إلى الشام تاجراً لخديجة.
وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية … كتاب السيرة للقرطبي.
وفي كتاب الكامل في التاريخ رواية تقول بأن خالد بن الوليد في حرب الردة قد أكل أكباد المرتدين ….!!!!
ج/ العاطفة الصادقة في دراسة التاريخ الإسلامي محبة له ودفاعاً عن رجاله بكل طريقة علمية ممكنة، لأن الدفاع عنه دفاع عن الإسلام وتشويهه تشويه للإسلام، ولا ننسى هنا قول أبي زرعة الرازي المحدث المشهور دفاعاً عن سلفنا الصالح ضد من يُجرِّمونهم من الروافض “إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله  فاعلم أنه زنديق، لأن رسول الله  عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة” (الكفاية للخطيب البغدادي، ص97)، فهذا الدفاع الحاد قضية عقدية لا يجوز التهاون بها، وكلما قرب العهد من العصور الأولى وجب اهتمامنا بهذا الجانب أكثر حتى نصل إلى عصر الصحابة وقبله عصر النبوة.
والجانب الشرعي في هذه المسألة واضح، فالدفاع عن عرض المسلم الحي القادر على الدفاع عن نفسه واجب وأجره عظيم، فكيف بالدفاع عن سلفنا الصالح وهم أهل لذلك، وهم أيضاً أموات غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم.
ولا يقولن قائل إن من شروط الدراسة العلمية الصحيحة (التجرد من العواطف) فإن هذا ليس على إطلاقه! فهل يمكن دراسة تاريخ الإسلام بأن يتجرد الكاتب عن عاطفته الإسلامية تماماً؟
نعم إن الإنصاف واجب واستخدام الوسائل العلمية في البحث أمر مطلوب، ولكن هذا كله لا يعني أن ينسلخ الإنسان من مشاعره وعواطفه أثناء دراسة تاريخ الإسلام.
د/ عدم المثالية في دراسة التاريخ: فإن تاريخ الإسلام هو تاريخ بشري عُرضة للخطأ والصواب – عدا عصر النبوة -، فلا نحاول أن نخفي الجوانب السلبية في تاريخنا، بل نذكر كل ما أوصلنا إليه البحث العلمي بشروطه السابقة، ونبحث عن العذر للمخطئ في خطئه إذا أمكن، وإلا فهو خطأ لا يخرج عن كونه أمراً طبيعياً يحصل للبشر، والإسلام لم يصنع ملائكة في الأرض مطمئنين، بل صنع رجالاً عظاماً فيهم خير كثير، ولكنهم مع هذا كله بشر يخطئون ويصيبون والأمثلة على ذلك كثيرة.
هـ/ الشمولية في دراسة التاريخ الإسلامي من كل جوانبه السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والحضارية بكل جوانبها، وعدم الاقتصار على جانب واحد من تاريخ الأمة كما يحصل الآن في كثير من الكتب والمناهج المدرسية.
و/ الاستفادة من عِبَرِ تاريخ الإسلام ودروسه، وعدم دراسته دراسة جافة بسرد للأحداث فقط، لأن الفائدة الحقيقية لدراسة التاريخ الإسلامي هو أخذ العبر من أحداثه والاستفادة من الصواب، وتجنب الخطأ الذي وقع فيه بعض المسلمين.

ثالثاً: مدارس تاريخية مختلفة:
أ/مدرسة المؤرخين الأوائل من التابعين كالزهري، وعروة بن الزبير، وهؤلاء يُوثَقُ بما قالوه غالباً، ويُلحق بهما وإن كان متأخراً زمنياً عنهم المحدث يعقوب الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ.
ب/ مدرسة مؤرخي السرد التاريخي بالأسانيد بدون تدقيق، لأنهم جعلوا عهدة الخطأ على الرواة: كالإمام الطبري في تاريخه، فهذا وأمثاله يحتاج إلى دراسة وغربلة ونقد وأخذ ما يصح، وترك ما لا يصح.
ج/ مؤرخون اعتمدوا على السرد بدون أسانيد يرجع إليها ،ومن أبرز هؤلاء ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ ، وهؤلاء لا يوثق بما يقولون إلا ما طابق الروايات الصحيحة وسَلِمَ من النقد والمعارضة، وكذلك من أبرز هؤلاء المؤرخ ابن خلدون صاحب النظريات الجيدة في دراسة التاريخ، ولكنه لم يطبقها في كتابه.
د/ مؤرخو الشيعة المحدثون كالمسعودي في كتابه المروج، وابن أعثم الكوفي في الفتوح، وغيرهم من مؤرخي الباطنية والروافض، فهؤلاء لا يُقبل منهم صرفاً ولا عدلاُ لأنهم أكذب الناس، كما قال علماء السلف.
هـ/ مدرسة التحقيق التاريخي الجيدة كابن كثير الدمشقي، ومؤرخ الإسلام الإمام الذهبي فهم من أفضل من كَتبَ في التاريخ من المتقدمين، وكذلك الإمام ابن العربي الأندلسي في كتابه العظيم (العواصم من القواصم) وهؤلاء في الغالب يُوثق بما كتبوا، وإن كان يحتاج إلى مراجعة في بعض النقاط البسيطة، ولا ننسى الإشارة إلى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله في منهاج السنة وزاد المعاد.
و/ مدارس الاستشراق: وأمرها معروف ودوافعها معروفة، ومن أبرز هؤلاء وأكثرهم رواجاً في تأليفه (كارل بروكلمان) وخاصة في كتابه تاريخ الشعوب الإسلامية المترجم إلى العربي. وكذلك النصراني اللبناني (فيليب حتي) وكتابه تاريخ العرب مطول، وغيرهم كثير .
ز/ أتباع المستشرقين كجواد علي في تاريخ العرب المفصل، وحسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام السياسي، وأحمد أمين في موسوعاته فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام ،وكذلك طه حسين في كتبه المختلفة ومنها علي وبنوه ، الفتنة الكبرى، الوعد الحق ، مرآة الإسلام، على هامش السيرة وغيرها، ويمكن أن يُضاف إليهم العقاد في عبقرياته وبعض كتبه، ومحمد حسنين هيكل في بعض كتبه عن الرسول عليه الصلاة والسلام، والفاروق وغيره.
ح/ مدرسة الروايات التاريخية، وأبرز من كَتَبَ فيها النصراني المعروف جرجي زيدان في رواياته المشهورة.
ط/ المدرسة العقلانية العلمانية كمحمد عمارة، وشاكر مصطفى، وفهمي هويدي، وغيرهم.
ي/ مدرسة التحقيق التاريخي الحديثة ذات الاتجاه الإسلامي، مثل محمد صادق عرجون في كتابه عن خالد بن الوليد ،وكتابه محمد رسول الله، ومحمود شاكر في سلسلة التاريخ الإسلامي وإن كان أقل عمقاً، وعبدالرحمن علي الحجي في بعض كتبه، وعماد الدين خليل في بعض دراساته، ومنير الغضبان في بعض كتبه، ومحمد سرور زين العابدين، وجمال عبدالهادي ووفاء رفعت في كتاب أخطاء يجب أن تصحح.
وهناك دراسات متناثرة لا بأس بها لا يتسع المقام لذكرها، ويلاحظ أن من أفضل المراجع لدراسة التاريخ الإسلامي كتب الصحاح، والمسانيد، والسنن فهي أوثق المراجع في تاريخ الإسلام.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

موقعك الإلكتروني

أكتب تعليقك